أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
351
العقد الفريد
الكاف أقوى عندهم من الهاء وأثبت في الكلام ، وإذا خاطبت الذكر والمؤنث لا تبدل صورتها كما تبدل الهاء في غلامه وغلامها ، وإذا قلت : مررت بغلامك ، ورأيت غلامك ، فالكاف في حال واحدة ، والهاء مضطربة في قولك : رأيت غلامه ، ومررت بغلامه ، وإنما جاز فيها أن تكون وصلا أيضا كما تكون الهاء ، لأنها تشبهت بالهاء ، إذ كانت حرف إضمار كالهاء ، ودخلت على الاسم كدخول الهاء ، وكانت اسما للحرف كما تكون الهاء ، وإنما خالفتها بالشيء اليسير ، وأما قولك : ارمه ، واغزه ، فلا تكون الهاء هاهنا رويا ، لأنها لحقت الاسم بعد تمامه ، ولأنها زوائد فيه وأنها دخلت لتبين حركة [ الزاي ] من اغزه والميم من ارمه ، وقد تكون تدخل للوقف أيضا . وإذا كانت الهاء أصلية لم تكن إلا رويا ، مثل قول الشاعر : قالت أبنّا لي وإلا أسفه * ما السّوء إلا غفلة المدلّة ومن بنى شعرا على « حيّ » جاز له فيه « طيّ » و « رمى » ، لأنّ الياء الأولى من حيّ ، ليست بردف ، لأنها من حرف مثقل قد ذهب مدّه ولينه ، قال سيبويه : وإذا قال الشعر : تعالى ، أو تعالوا ، لم تكن الياء والواو إلا رويا ، لان ما قبلهما انفتح ، فلما صارت الحركة التي قبلهما غير حركتهما ذهبت قوّتهما في المدّ وأكثريتهما ، وكذلك : أخشى وأخشوا ، وكل ياء أو واو انفتح ما قبلها ، وكذلك هذه الياء والواو إذا تحرّكتا لم تكونا إلا حرف روي ، لذهاب اللين والمدّ وكذلك قوله : رأيت قاضيا ، وراميا ، وأريد ان يغزو ، وتدعو ، في قافيتين من قصيدة . وأمّا الميم من غلامهم وسلامهم ، فقد تكون رويا ، وقد تكون وصلا ويلزم ما قبلها ، كما قال الشاعر : يا قاتل اللّه عصبة شهدوا * خيف منّي لي ما كان أسرعهم إن نزلوا لم يكن لهم لبث * أو رحلوا أعجلوا مودّعهم لا غفر اللّه للحجيج إذا * كان حبيبي إذا نأوا معهم ! فالعين هنا حرف الرويّ ، والهاء والميم صلة ، كحروف الإضمار كلها التي تقدّم