أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

249

العقد الفريد

فيا لك من ليل تقاصر طوله * وما كان ليلي قبل ذلك يقصر ويا لك من ملهى هناك ومجلس * لنا لم يكدّره علينا مكدّر يمجّ ذكيّ المسك منها مفلّج * رقيق الحواشي ذو غروب مؤشّر « 1 » وترنو بعينيها إليّ كما رنا * إلى ربرب وسط الخميلة جؤذر « 2 » بروق إذا تفترّ عنه كأنه * حصى برد أو أقحوان منوّر فلما تقضي الليل إلا أقلّه * وكادت توالي نجمه تتغوّر أشارت بأنّ الحيّ قد حان منهم * هبوب ولكن موعد لك عزور « 3 » فما راعني إلا مناد برحلة * وقد لاح مفتوق من الصّبح أشقر « 4 » فلما رأت من قد تنوّر منهم * وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر فقلت : أباديهم فإمّا أفوتهم * وإمّا ينال السيف ثأرا فيثأر فقالت : أتحقيقا لما قال كاشح * علينا وتصديقا لما كان يؤثر فإن كان ما لا بدّ منه فغيره * من الأمر أدنى للخفاء وأستر أقصّ على أختيّ بدء حديثنا * وما لي من أن يعلما متأخّر لعلّهما أن يبغيا لك مخرجا * وأن يرحبا صدرا بما كنت أحصر فقالت لأختيها أعينا على فتى * أتى زائرا والأمر للأمر يقدر فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا * أقلّي عليك اللوم فالخطب أيسر يقوم فيمشي بيننا متنكّرا * فلا سرّنا يفشو ولا هو يبصر فكان مجنّي دون ما كنت أتقي * ثلاث شخوص : كاعبان ومعصر « 5 » فلما أجزنا ساحة الحيّ قلن لي * ألم تتّق الأعداء والليل مقمر وقلن أهذا دأبك الدهر سادرا * أما تستحي أم ترعوي أم تفكّر

--> ( 1 ) المؤشر : الذي حززت أسنانه خلقة أو صناعة . ( 2 ) الجؤذر : ولد البقرة الوحشية . والربرب : القطيع من الظباء ومن البقر الوحشي والانسي . ( 3 ) عزور : مكان قرب مكة . ( 4 ) المفتوق : الذي برز وظهر . ( 5 ) المجن : الترس . والكاعب : الفتاة التي نهد ثديها . والمعصر : الفتاة التي بلغت شبابها .