أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
220
العقد الفريد
وكأنما يومي إليك بطرفه * عن جمرتين بجملد منقور « 1 » باب من أخبار الشعراء حدث دعبل الشاعر أنه اجتمع هو ومسلم وأبو الشيص وأبو نواس في مجلس ، فقال لهم أبو نواس : إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه ، ولهذا اليوم ما بعده فليأت كلّ واحد منكم بأحسن ما قال فلينشده . فأنشده أبو الشيص فقال : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخّر عنه ولا متقدّم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّا لذكرك فليلمني اللّوم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا * ما من يهون عليك ممن أكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم * إذ كان حظّي منك حظّي منهم قال : فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر حتى ما كاد ينقضي عجبه ، ثم أنشده مسلم أبياتا من شعره الذي يقول فيه : فأقسم أنسى الدّاعيات إلى الصّبا * يمينا وقد فاجأت والسّتر واقع فغطّت بأيديها ثمار نحورها * كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع « 2 » قال دعبل : فقال لي أبو نواس : هات أبا علي ، وكأني بك قد جئتنا بأم القلادة . فقلت : يا سيدي ، ومن يباهيك بها غيري فأنشدته : أين الشّباب وأيّة سلكا * أم أين يطلب ضلّ أم هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه فبكى يا ليت شعري كيف صبركما * يا صاحبيّ إذا دمي سفكا لا تطلبا بظلامتي أحدا * قلبي وطرفي في دمي اشتركا ثم سألناه أن ينشد ، فأنشد أبو نواس :
--> ( 1 ) الجلمد : الصخر . ( 2 ) الجوامع : جمع جامعة : وهي الغل يجمع اليدين إلى العنق .