أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

215

العقد الفريد

المستأذن لهم : لو أذنت للبعيث ! فلم يأذن له ، وقال : ليس كهؤلاء ، إنما قال من الشعر يسيرا . قال : واللّه يا أمير المؤمنين إنه لشاعر . فأذن له ، فلما مثل بين يديه ، قال : يا أمير المؤمنين . إن هؤلاء ومن ببابك قد ظنوا أنك انما أذنت لهم دوني لفضل لهم عليّ . قال : أو لست تعلم ذلك ؟ قال : لا واللّه ، ولا علمه اللّه لي ، قال : فأنشدني من شعرك . قال : أما واللّه حتى أنشدك من شعر كل رجل منهم ما يفضحه ! فأقبل على الفرزدق ، فقال : قال هذا الشيخ الأحمق لعبد بني كليب : بأيّ رشاء يا جرير وماتح * تدلّيت في حومات تلك القماقم « 1 » فجعله تدلى عليه وعلى قومه من عل وإنما يأتيه من تحته لو كان يعقل . وقد قال هذا كلب بني كليب : لقومي أحمى للحقيقة منكم * وأضرب للجبّار والنقع ساطع « 2 » وأوثق عند المردفات عشيّة * لحاقا إذا ما جرد السّيف لامع « 3 » فجعل نساءه لا يثقن بلحاقه إلا عشية وقد نكحن وفضحن . وقال هذا النصرانيّ ومدح رجلا يسمى قينا فهجاه ولم يشعر ، فقال : قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه * فالآن طيّر عن أثوابه الشّرر وقال ابن رمية ودفع أخاه إلى مالك بن ربيعيّ بن سلمى فقتل ، فقال : مددنا وكانت ضلة من حلومنا * تبدي إلى أولاد ضمرة أقطعا فمن يرجو خيره وقد فعل بأخيه ما فعل ؟ فجعل الوليد يعجب من حفظه لمثالب القوم وقوة قلبه ، وقال له : قد كشفت عن مساوئ القوم ، فأنشدني من شعرك . فأنشده ، فاستحسن قوله ووصله وأجزل له .

--> ( 1 ) حومات : جمع حومة ، وهي أكثر موضع في البحر ماء وأغمره . والقماقم : جمع قمقام ، وهو البحر . ( 2 ) النقع : الغبار الساطع . ( 3 ) يقال : لمع سيفه ، إذا أشار به للانذار ؟ وهو أن يحركه ليراه غيره فيجره اليه .