أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
186
العقد الفريد
وقال أعرابي في عجوز : أبى القلب إلا أمّ عمرو وحبّها * عجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد « 1 » كبرد يمان قد تقادم عهده * ورقعته ما شيب في العين واليد « 2 » وقال بشار العقيلي في سوداء : أشبهك المسك وأشبهته * قائمة في لونه قاعدة لا شكّ إذ لونكما واحد * أنّكما من طينة واحده الاستعارة لم تزل الاستعارة قديما تستعمل في المنظوم والمنثور ، وأحسن ما تكون أن يستعار المنثور من المنظوم ، والمنظوم من المنثور ، وهذه الاستعارة خفية لا يؤبه بها لأنك قد نقلت الكلام من حال إلى حال ، وأكثر ما يجتلبه الشعراء ، ويتصرف فيه البلغاء ، إنما يجري فيه الآخر على السنن الأول ، وأقل ما يأتي لهم معنى لم يسبق إليه أحدا ، إما في منظوم وإما في منثور ، لأن الكلام بعضه من بعض ، ولذلك قالوا في الأمثال : ما ترك الأول للآخر شيئا . ألا ترى أن كعب بن زهير ، وهو في الرعيل الأول والصدر المتقدم ، قد قال في شعره : ما أرانا نقول إلا معارا * أو معادا من قولنا مكرورا ولكن قولهم : إن الآخر إذا أخذ من الأول المعنى فزاد فيه ما يحسّنه ويقرّبه ويوضحه فهو أولى به من الأول ، وذلك كقول الأعشى : وكأس شربت على لذّة * وأخرى تداويت منها بها فأخذ هذا المعنى الحسن بن هانئ فحسنه وقرّبه إذ قال : دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء * وداوني بالتي كانت هي الدّاء
--> ( 1 ) يفند : يضمر ويهزل . ( 2 ) البرد : ضرب من الثياب .