أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
180
العقد الفريد
بالعلف حتى كاد يسنق . وليس هذا معناه ، وإنما المعنى فيه ما قال أبو عبيدة : أن ملوك العرب بلغ من حزمها ونظرها في العواقب ان أحدهم لا يبيت الا وفرسه موقوف بسرجه ولجامه بين يديه قريبا منه ، مخافة عدو يفجؤه أو حالة تصعب عليه ، فكان للنعمان فرس يقال له اليحموم ، فيتعاهده كل عشية ، وهذا مما يتمادح به العرب من القيام بالخيل وارتباطها بأفنية البيوت . بيت لزهير ومما عابوه وليس بعيب ، قول زهير : قف بالدّيار التي لم يعفها القدم * بلى وغيّرها الأرياح والدّيم « 1 » فنفى ثم حقق في معنى واحد ، فنقض في عجز هذا البيت ما قال في صدره ، لأنه زعم أن الديار لم يعفها القدم ، ثم إنه انتبه من مرقده فقال : بلى ، عفاها وغيّرها أيضا الأرياح والديم ! وليس هذا معناه الذي ذهب اليه ، وإنما معناه أن الديار لم تعف في عينه ، من طريق محبته لها وشغفه بمن كان فيها . بيت لبعض الشعراء وقال غيره في هذا المعنى ما هو أبين من هذا ، وهو : ألا ليت المنازل قد بلينا * فلا يرمين عن شزر حزينا « 2 » فقوله : ألا ليت المنازل قد بلينا . أي . بلى ذكرها ، ولكنها تتجدّد على طول البلى بتجدّد ذكرها . وقال الحسن بن هانئ : في هذا المعنى فلخصه وأوضحه وشنّفه « 3 » وقرّطه حيث يقول :
--> ( 1 ) الديم : جمع الديمة : وهي المطر يطول زمانه في سكون . ( 2 ) الشزر : نظرة الإعراض أو الغضب أو الاستهانة . ( 3 ) شنّف : زيّن .