أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
176
العقد الفريد
والدليل على صحة هذا المعنى وصدق هذا القياس ، أن كثيّر عزة والكميت بن زيد كانا شيعيّين غاليين ، في التشيّع ، وكانت مدائحهما في بني أمية أشرف وأجود منها في بني هاشم ، وما لذلك علة الا قوة أسباب الطمع . وقيل لكثير عزة : يا أبا صخر ، كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر ؟ قال : أطوف في الرباع « 1 » المحيلة والرياض المعشبة ، فإن نفرت عنك القوافي وأعيت عليك المعاني ، فروّح قلبك ، وأجمّ ذهنك ، وارتصد لقولك فراغ بالك وسعة ذهنك ، فإنك تجد في تلك الساعة ما يمتنع عليك يومك الأطول وليلك الأجمع . من رفعه المدح ووضعه الهجاء جرير وابنه قال بلال بن جرير : سألت أبي جريرا فقلت له : إنك لم تهج قوما قط الا وضعتهم غير بني لجأ ! قال : يا بني إني لم أجد شرفا فأضعه ، ولا بناء فأهدمه . وقد يكون الشيء مدحا فيجعله الشعر ذمّا ، ويكون ذما فيجعله الشعر مدحا . قال حبيب الطائي في هذا المعنى : ولولا خلال سنّها الشّعر مادري * بغاة العلا من أين تؤتى المكارم يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة * ويقضى بما يقضي به وهو ظالم ألا ترى إلى بني عبد المدان الحارثيين كانوا يفخرون بطول أجسامهم وقديم شرفهم حتى قال فيهم حسان بن ثابت : لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ * جسم البغال وأحلام العصافير « 2 » فقالوا له : واللّه يا أبا الوليد لقد تركتنا ونحن نستحي من ذكر أجسامنا بعد ان كنا نفخر بها ! فقال لهم : سأصلح منكم ما أفسدت ، فقال فيهم :
--> ( 1 ) الرباع : جمع الربع : وهو المنزل أو الحي ، أو ما حول الدار . ( 2 ) أحلام : جمع حلم : وهو ما يراه النائم في نومه . أو العقل .