أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
175
العقد الفريد
أشرب ولا أطرب ولا أغضب ، فلا يقال الشعر الا بواحدة من هذه . وقيل للحطيئة : من أشعر الناس ؟ فأخرج لسانا رقيقا كأنه لسان حية وقال : هذا إذا طمع . وقيل لكثير عزة : لم تركت الشعر ؟ قال : ذهب الشباب فما أعجب ، وماتت عزة فما أطرب ، ومات ابن أبي ليلى فما أرغب ، يريد عبد العزيز بن مروان . وقالوا : أشعر الناس النابغة إذا رهب ، وزهير إذا غضب ، وجرير إذا رغب . وقال عمرو بن هند لعبيد بن الأبرص ، ولقيه في يوم بؤسه : أنشدني من شعرك . قال : حال الجريض « 1 » دون القريض . وقد يمتنع الشعر على قائله ولا يسلس حتى يبعثه خاطر أو صوت حمامة . وقال الفرزدق : أنا أشعر الناس عند الناس ، وقد يأتي عليّ الحين وقلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر . وقال الراجز : إنما الشعر بناء * يبتنيه المبتنونا فإذا ما نسّقوه * كان غثا أو سمينا ربما واتاك حينا * ثم يستصعب حينا وأسلس ما يكون الشعر في أول الليل قبل الكرى « 2 » ، وأول النهار قبل الغذاء وعند مناجاة النفس واجتماع الفكر ، وأقوى ما يكون الشعر عندي على قدر قوة أسباب الرغبة والرهبة . قيل للخريمي : ما بال مدائحك لمحمد بن منصور أحسن من مراثيك قال : كنا حينئذ نعمل على الرجاء ، ونحن اليوم نعمل على الوفاء ، وبينهما بون « 3 » بعيد .
--> ( 1 ) الجريض : « حال الجريض دون القريض » . مثل يضرب لأمر يعوق دونه عائق . والجريض : الغصة . ( 2 ) الكرى : النعاس والنوم . ( 3 ) البون : المسافة ما بين الشيئين .