أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
170
العقد الفريد
ترى الغرّ السّوابق من قريش * إذا ما الأمر بالحدثان عالا « 1 » قياما ينظرون إلى سعيد * كأنهم يرون به هلالا يزيد والأخطل في هجاء الأنصار ولما وقع التهاجي بين عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن أم الحكم أرسل يزيد ابن معاوية إلى كعب بن جعيل ، فقال له : إن عبد الرحمن بن حسان فضح عبد الرحمن ابن الحكم فاهج الأنصاري . فقال : أرادّي أنت إلى الإشراك بعد الإيمان ؟ لا أهجو قوما نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن أدلّك على غلام مناصري . فدله على الأخطل فأرسل إليه فهجا الأنصاري ، وقال فيه : ذهبت قريش بالمكارم كلّها * واللؤم تحت عمائم الأنصار قوم إذا حضر العصير رأيتهم * حمرا عيونهم من المسطار « 2 » وإذا نسبت إلى الفريعة خلته * كالجحش بين حمارة وحمار فدعوا المكارم لستم من أهلها * وخذوا مساحيكم بني النجار « 3 » وكان مع معاوية النعمان بن بشير الأنصار ، فلما بلغه الشعر أقبل حتى دخل على معاوية ، ثم حسر العمامة عن رأسه وقال : يا معاوية ، هل ترى من لئوم ؟ قال : ما أرى إلا كرما . قال : فما الذي يقول فينا عبد الأراقم : ذهبت قريش بالمكارم كلّها * واللؤم تحت عمائم الأنصار ! قال قد حكمتك فيه . قال : واللّه لا رضيت إلا بقطع لسانه ، ثم قال : معاوي إلا تعطنا الحقّ تعترف * لحي الأزد مشدودا عليها العمائم أيشتمنا عبد الاراقم ضلّة * وما الذي تجدي عليك الاراقم « 4 » فمالي ثأر دون قطع لسانه * فدونك من ترضيه عنك الدّراهم
--> ( 1 ) الحدثان : نوائب الدهر ومصائبه ، أو الليل والنهار . ( 2 ) المسطار : ضرب من الشراب فيه حموضة . ( 3 ) المساحي : جمع مسحاة ، وهي آله يسحى بها الطين عن وجه الأرض ، أي يجرف . ( 4 ) الأراقم : جمع الأرقم : وهو ذكر الحيات أو أخبثها .