أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

162

العقد الفريد

أحسن ما أدّيت في قدر ما سئلت ! أسمعني كلمة عدي بن الرقاع في الوليد بن يزيد ابن عبد الملك ، قوله : عرف الديار توهّما فاعتادها فقال الفضل . يا أمير المؤمنين ، ألبستنا ثوب السهر ليلتنا هذه لاستماع الكذب ! لم تأمره يسمعك ما قالت الشعراء فيك وفي آبائك ؟ قال : ويحك ! إنه أدب وقلما يعتاض عن مثله ، ولأن أسمع من ثقيف بعبارة تشغله العناية بها عمره ، أحبّ إليّ من أن تشافهني به الرسوم ، وللممتدح بهذا الشعر حركات سترد عليك ، ولا تقدر أن تصدر من غير انتفاع بها ، ولا أكون أول مستنّ طريقة ذكر لم تؤدها الرواية . قال الفضل : قد واللّه يا أمير المؤمنين شاركتك في الشوق ، وأعنتك على التّوق ، ثم التفت إليّ الفضل فقال : احدبنا ليلتك منشدا ، هذا سيدي أمير المؤمنين قد أصغى إليك مستمعا ، فمرّ ويحك في عنان الإنشاد ، فهي ليلة دهرك لم تنصرف إلا غانما . قال الرشيد : أما إذ قطعت على فاحلف لتشركني في الجزاء ، فما كان لي في هذا شيء لم تقاسمنيه . قال الفضل : قد واللّه يا أمير المؤمنين وطنت « 1 » نفسي على ذلك متقدما فلا تجعلنّه وعيدا ، قال الرشيد : لا أجعله وعيدا . قال الأصمعي : الآن ألبس رداء التّيه على العرب كلّها ، وإني أرى الخليفة والوزير وهما يتناظران في المواهب لي ، فمررت في سنن الإنشاد حتى بلغت إلى قوله : تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه * قلم أصاب من الدّواة مدادها « 2 » فاستوى جالسا ، ثم قال : أتحفظ في هذا شيئا ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، كان الفرزدق لما قال عدي : تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه

--> ( 1 ) وطّن نفسه : عوّدها . ( 2 ) الأغنّ : الذي في صوته غنّه .