أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

161

العقد الفريد

فخرج من موكب الصّغد فارس معلم « 1 » بعذبات « 2 » سود في قلنسوته ، قد وضع نشابته في الوتر ، ثم صاح : أين رماة الحرب ؟ قالوا : قد أنصف القارة من راماها . والملك أبو حسان إذ ذاك المضاف إليه . قال الرشيد : أحسنت ، أرويت للعجاج ورؤبة شيئا ؟ قلت : هما يا أمير المؤمنين يتناشدان لك بالقوافي وإن غابا عنك بالأشخاص . فمد يده فأخرج من تحت فراشه رقعة ، ثم قال : أسمعني . فقلت : أرّقني طارق هم طرقا فمضيت فيها مضيّ الجواد في سنن ميدانه ، تهدر بها أشداقي ، حتى إذا صرت إلى مدح بني أمية ثنيت عنان اللسان إلى امتداحه المنصور في قوله : قلت لزير لم تصله مريمه « 3 » قال : أعن حيرة أم عن عمد ؟ قلت : عن عمد ، تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده . قال الفضل : أحسنت بارك اللّه فيك ، مثلك يؤمل لهذا الموقف . قال الرشيد : ارجع إلى أول هذا الشعر . فأخذت من أوله حتى صرت إلى صفة الجمل فأطلت ، فقال الفضل : مالك تضيّق علينا كلّ ما اتسع لنا من مساعدة السّهر في ليلتنا هذه بذكر جمل أجرب ؟ صره إلى امتداح المنصور حتى تأتي على آخره . فقال الرشيد : اسكت ، هي التي أخرجتك من دارك ، وأزعجتك من قرارك ، وسلبتك تاج ملكك ، ثم ماتت ، فعمل جلودها سياطا تضرب بها قومك ضرب العبيد ! ثم قهقه ، ثم قال : لا تدع نفسك والتعرض لما تكره . فقال الفضل : لقد عوقبت على غير ذنب ، والحمد للّه ! قال الرشيد : أخطأت في كلامك يرحمك اللّه ! لو قلت : وأستغفر اللّه ! قلت صوابا ، إنما يحمد اللّه على النّعم . ثم صرف وجهه إليّ وقال : ما

--> ( 1 ) الفارس المعلم : الذي له علامة في الحرب . ( 2 ) العذبات : جمع عذبة ، وهي طرف الشيء . يريد أسبل لعمامته عذبتين من خلفها . ( 3 ) زير ، أي زير نساء . ومريمه : امرأة .