أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
158
العقد الفريد
أوتاد ؟ « 1 » قلت : من قائله أصلح اللّه الأمير ؟ قال : لا أدري . قلت : فمن شعراء الجاهلية أم شعراء الإسلام ؟ قال : لا أدري . قال : فأطرقت حينا أفكّر فيه ، حتى بدر إلى وهمي شعر الأفوه الأزدي حيث يقول : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادوا « 2 » والبيت لا يبتنى إلا له عمد * ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فإن تجمّع أوتاد وأعمدة * يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا فقلت : هو قول الأفوه الأزدي أصلح اللّه الأمير ، وأنشدته الأبيات ، فقال : صدقت ، انصرف إذا شئت ! فقمت ، فلما خطوت الباب لحقني أعوان له ومعهم بدرة ، « 3 » فصحبوني إلى الباب ، فلما أردت أن أقبضها منهم ، قالوا : لا بد من إدخالها إلى موضع منامك ! فدخلوا معي ، فعرضت أن أعطيهم منها شيئا ، فقالوا : لا تقدم على الأمير . الأصمعي قال : أقبل فتيان إلى أبي ضمضم بعد العشاء ، فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا نتحدث إليك . قال : كذبتم يا خبثاء ! ولكن قلتم : كبر الشيخ فهلم بنا عسى أن نأخذ عليه سقطة « 4 » ! قال : فأنشدهم لمائة شاعر كلهم اسمه عمرو . قال الأصمعي : تحدثت أنا وخلف الأحمر فلم نزد على أكثر من ثلاثين . وقال الشعبي : لست لشيء من العلوم أقل رواية من الشعر ، ولو شئت لأنشدت شهرا ولا أعيد بيتا ! وكان الخليل بن أحمد أروى « 5 » الناس للشعر ولا يقول بيتا .
--> ( 1 ) يريد فيه لفظة « أوتاد » . ( 2 ) السّراة : جمع سري : وهو الشريف . ( 3 ) البدرة : كيس فيه مبلغ من المال يعطى كجائزة . ( 4 ) سقطة : زلّة . ( 5 ) الأروى : الأكثر رواية .