أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

157

العقد الفريد

أر حلقة أعظم من حلقة « 1 » يونس النحوي ، فجلست إليه ، فقلت له : إني مدحت المهدي بشعر ، وأردت ألا أرفعه حتى أعرضه على بصرائكم ، وإني تصفحت الحلق فلم أر حلقة أحفل من حلقتك ، فإن رأيت أن تسمعه مني فافعل . فقال : يا ابن أخي ، إن هاهنا خلفا ، ولا يمكن أحدنا أن يسمع شعرا حتى يحضر ، فإذا حضر فأسمعه . فجلست حتى أقبل خلف الأحمر ، فلما جلس جلست إليه ، ثم قلت له ما قلت ليونس ، فقال : أنشد يا بن أخي ، فأنشدته حتى أتيت على آخره فقال لي : أنت واللّه كأعشى بكر ، بل أنت أشعر منه حيث يقول : رحلت سميّة غدوة أجمالها * غضبى عليك فما تقول بدا لها وكان خلف مع روايته وحفظه يقول الشعر فيحسن وينحله « 2 » الشعراء . ويقال إن الشعر المنسوب إلى ابن أخت تأبط شرّا ، وهو : إنّ بالشعب الذي دون سلع * لقتيلا دمه ما يطلّ « 3 » لخلف الأحمر ، وإنما ينحله إياه . وكذلك كان يفعل حماد الراوية : يخلط الشعر القديم بأبيات له . قال حماد : ما من شاعر إلا قد زدت في شعره أبياتا فجازت عليه ، إلا الأعشى ، أعشى بكر ، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت فأفسدت عليه الشعر . قيل له : وما البيت الذي أدخلته في شعر الأعشى ؟ فقال : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصّلعا قال حماد الراوية : أرسل إليّ أبو مسلم ليلا ، فراعني ذلك ، فلبست أكفاني ومضيت ، فلما دخلت عليه تركني حتى سكن جأشي « 4 » ، ثم قال لي : ما شعر فيه

--> ( 1 ) الحلقة : مجلس العلم . ( 2 ) ينحل : ينسب اليه القول وليس بقائله ( 3 ) سلع : موضع بقرب المدينة ( 4 ) الجأش : الاضطراب من حزن أو فزع .