أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
124
العقد الفريد
وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده : روّهم الشعر ، روّهم الشعر : يمجدوا وينجدوا ! وقالت عائشة : روّوا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم . وبعث زياد بولده إلى معاوية ، فكاشفه عن فنون من العلم فوجده عالما بكل ما سأله عنه ، ثم استنشده الشعر ، فقال : لم أرو منه شيئا ! فكتب معاوية إلى زياد ؟ ما منعك أن تروّيه الشعر ؟ فو اللّه إن كان العاق « 1 » ليرويه فيبرّ ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو ، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل . وكان علي رضي اللّه عنه إذا أراد المبارزة في الحرب أنشأ يقول : أيّ يوميّ من الموت أفرّ * يوم لا يقدر أم يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه * ومن المقدور لا ينجو الحذر وقال المقداد بن الأسود : ما كنت أعلم أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلم بشعر ولا فريضة من عائشة رضي اللّه عنها ! وفي رواية الخشني عن أبي عاصم عن عبد اللّه بن لا حق عن ابن أبي مليكة قال : قالت عائشة : رحم اللّه لبيدا كان يقول : قضّ اللّبانة لا أبا لك واذهب * والحق بأسرتك الكرام الغيّب « 2 » ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب « 3 » فكيف لو أدرك زماننا هذا ! ثم قالت : إني لأروي ألف بيت له ، وإنه أقل ما أروي لغيره . وقال الشعبي : ما أنا لشيء من العلم أقلّ مني رواية للشعر ، ولو شئت أن أنشد شعرا شهرا لا أعيد بيتا لفعلت .
--> ( 1 ) العاق : الذي استخف بأبيه وعصاه وترك الإحسان اليه . ( 2 ) اللبانة : الحاجة . ( 3 ) الأجرب : الذي أصابه الجرب .