أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

110

العقد الفريد

زيد فمكّنه النعمام ، ثم سعي بينهما فحبسه حتى أتى على نفسه ، وهو القائل : أبلغ النّعمان عني مألكا * أنه قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصّان بالماء اعتصاري « 1 » وعداتي شمّت أعجبهم * أنّني غيّبت عنهم في إساري لامرئ لم يبل مني سقطة * إن أصابته ملمّات العثار « 2 » فلئن دهر تولى خيره * وجرت بالنّحس لي منه الجواري لبما منه قضينا حاجة * وحياة المرء كالشّيء المعار فلما قتل النعمان عديّ بن زيد العبادي - وهو من بني امرئ القيس بن سعد بن زيد مناة بن تميم - سار ابنه زيد بن عدي إلى كسرى فكان من تراجمته وكان النعمان عند كسرى ، فحمله عليه ، فهرب النعمان حتى لحق ببني رواحة من عبس ، واستعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائي ، ثم إن النعمان تجول حينا في أحياء العرب ، ثم أشارت عليه امرأته المتجردة أن يأتي كسرى ويعتذر إليه ، ففعل ، فحبسه بساباط « 3 » حتى هلك ، ويقال أوطأه الفيلة . وكان النعمان إذا شخص إلى كسرى أودع حلقته وهي ثمانمائة درع وسلاحا كثيرا ، هانئ بن مسعود الشيباني ، وجعل عنده ابنته هند التي تسمى حرقة ، فلما قتل النعمان قالت فيه الشعراء ، فقال فيه زهير بن أبي سلمى المزنيّ : ألم تر للنّعمان كان بنجوة * من الشرّ لو أنّ امرأ كان باقيا « 4 » فلم أر مخذولا له مثل ملكه * أقلّ صديقا أو خليلا موافيا خلا أنّ حيّا من رواحة حافظوا * وكانوا أناسا يتّقون المخزيا « 5 » فقال لهم خيرا وأثنى عليهم * وودّعهم توديع أن لا تلاقنا

--> ( 1 ) شرق : غصّ . ( 2 ) العثار : الشرّ . ( 3 ) ساباط : بالمدائن . ( 4 ) النجوة : الارتفاع عن الأرض . ( 5 ) رواحة : من عبس