أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
104
العقد الفريد
قومه من غطفان إلى جانب فدك « 1 » ، وإلى أرض يقال لها أوارة « 2 » ، فنزل بها عروة فشرب من الخمر وغنته قينة ، ثم قام فنام ، فجاء البراض فدخل عليه ، فناشده عروة وقال : كانت مني زلّة ، وكان الفعلة مني ضلة ! فقتله وخرج يرتجز ويقول : قد كانت الفعلة مني ضلّه * هلّا على غيري جعلت الزّلّه فسوف أعلو بالحسام القلة « 3 » وقال : وداهية يهال الناس منها * شددت لها بني بكر ضلوعي هتكت بها بيوت بني كلاب * وأرضعت الموالي بالضّروع جمعت له يديّ بنصل سيف * أفلّ فخرّ كالجذع الصّريع « 4 » واستاق اللطيمة إلى خيبر ، واتبعه المساور بن مالك الغطفاني ، وأسد بن خيثم الغنوي ، حتى دخل خيبر ! فكان البراض أول من لقيهما ، فقال لهما : من الرجلان ؟ قالا : من غطفان وغنّي . قال البراض : ما شأن غطفان وغنّي بهذه البلدة ؟ قالا : ومن أنت ؟ قال : من أهل خيبر . قالا : ألك علم بالبراض ؟ قال : دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله بيتا . قالا : فأين يكون ؟ قال : وهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه ؟ قالا : نعم . قال : فانزلا ! فنزلا وعقلا راحلتيهما . قال : فأيكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحدّ سيفا ؟ قال الغطفاني : أنا ! قال البراض : فانطلق أدلّك عليه ، ويحفظ صاحبك راحلتيكما ففعل ، فانطلق البراض يمشي بين يدي الغطفاني حتى انتهى إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت . فقال البراض : هو في هذه الخربة وإليها يأوي ، فأنظرني حتى أنظر أثمّ هو أم لا . فوقف له ودخل البراض ، ثم خرج إليه وقال : هو نائم في البيت الأقصى خلف هذا الجدار ، عن يمينك إذا دخلت ،
--> ( 1 ) فدك : قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان . ( 2 ) أوارة : موضع في بلاد بني تميم . ( 3 ) القلة : قلة كل شيء : قمته وأعلاه . ( 4 ) السيف الأفل : أي في حده كسور من كثرب الضرب به .