أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

105

العقد الفريد

فهل عندك سيف فيه صرامة ؟ قال : نعم . قال : هات سيفك أنظر إليه أصارم هو ؟ فأعطاه إياه ، فهزه البراض ثم ضربه به حتى قتله ، ووضع السيف خلف الباب ، وأقبل على الغنوي ، فقال : ما وراءك ؟ قال : لم أر أجبن من صاحبك ، تركته قائما في الباب الذي فيه الرجل ، والرجل نائم ، لا يتقدم إليه ولا يتأخر عنه ! قال الغنوي : يا لهفاه ! لو كان أحد ينظر راحلتينا ! قال البراض : هما عليّ إن ذهبتا ، فانطلق الغنوي . والبراض خلفه ، حتى إذا جاوز الغنوي باب الخربة أخذ البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه به حتى قتله ، وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما ثم انطلق . وبلغ قريشا خبر البراض بسوق عكاظ ، فخلصوا نجيا ، واتبعتهم قيس لمّا بلغهم أن البراض قتل عروة الرّحال ، وعلم قيس أبو براء عامر بن مالك ، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم ، ونادوهم : يا معشر قريش ، إنا نعاهد اللّه أن لا نبطل دم عروة الرحال أبدا ونقتل به عظيما منكم ، وميعادنا وإياكم هذه الليالي من العام المقبل ، فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه : قل لهم إن موعدكم قابل في هذا اليوم . فقال خداش بن زهير في هذا اليوم ، وهو يوم نخلة : يا شدّة ما شددنا غير كاذبة * على سخينة لولا البيت والحرم لما رأوا خيلنا تزجي أوائلها * آساد غيل حمى أشبالها الأجم « 1 » واستقبلوا بضراب لا كفاء له * يبدي من الغرل الأكفال ما كتموا « 2 » ولّوا شلالا وعظم الخيل لا حقة * كما تخبّ إلى أوطانها النعم « 3 » ولت بهم كل محضار ململمة * كأنها لقوة بجنبها ضرم « 4 » وكانت العرب تسمي قريشا سخينة لأكلها السخن .

--> ( 1 ) الأجم : جمع الأجمة : وهي الشجر الكثير الملتف . ( 2 ) الغرل : جمع أغرل أو غرلاء : أي المسترخي . ( 3 ) الشلال : القوم المتفرقون . ( 4 ) ململمة : أي صلبة . واللقوة : العقاب الخفيفة السريعة الاختطاف .