أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
103
العقد الفريد
الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وهوازن ، وإنما هاجها البرّاض بقتله عروة الرّحال ابن عتبة بن جعفر بن كلاب ، فأبت أن تقتل بعروة : البراض ، لأن عروة سيد هوازن ، والبراض خليع من بني كنانة ، أرادوا أن يقتلوا به سيدا من قريش . وهذه الحروب كانت قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بست وعشرين سنة وقد شهدها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه . وقال النبي عليه الصلاة والسلام : كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة يعني أنا ولهم النبل . وكان سبب هذه الحرب أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان يبعث [ إلى ] سوق عكاظ في كل عام لطيمة « 1 » في جوار رجل شريف من أشراف العرب ، يجيرها له حتى تباع هناك ويشترى له بثمنها من أدم الطائف ما يحتاج إليه ، وكانت سوق عكاظ تقوم في أول يوم من ذي القعدة ، فيتسوّقون إلى حضور الحج ، ثم يحجون ، وكانت الأشهر الحرم أربعة أشهر : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ، وعكاظ بين نخلة والطائف ، وبينها وبين الطائف نحو من عشرة أميال ، وكانت العرب تجتمع فيها للتجارة والتّهيّؤ للحج ، من أول ذي القعدة إلى وقت الحج ، ويأمن بعضها بعضا ، فجهز النعمان : عير اللطيمة ، ثم قال : من يجيرها ؟ فقال البراض بن قيس الضّمري : أنا أجيرها على بني كنانة . فقال النعمان ما أريد إلا رجلا يجيرها على أهل نجد وتهامة . فقال عروة الرحّال ، وهو يومئذ رجل هوازن : أكلب خليع يجيرها لك ؟ أبيت اللعن أنا أجيرها لك على أهل الشيح « 2 » والقيصوم « 3 » من أهل نجد وتهامة ! فقال البراض : أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة ؟ قال : وعلى الناس كلهم ! فدفعها النعمان إلى عروة ، فخرج بها وتبعه البراض ، وعروة لا يخشى منه شيئا ، لأنه كان بين ظهراني
--> ( 1 ) اللطيمة : عير تحمل المسك والبزّ وغيرهما للتجارة . أو وعاء المسك . ( 2 ) الشيح : نبات يتخذ من بعضه المكانس ( 3 ) القيصوم : نبات طعمه مر ورائحته طيبة ، وورقه هدب وله نورة صفراء وهي تنهض على ساق .