أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
94
العقد الفريد
وسطه ، ولا ينشر طرفاه ، فقال علي : لست من كيدك ولا من كيد معاوية في شيء ؛ لا أعطيه إلا السيف حتى يغلبه الحق . قال : وهو واللّه لا يعطيك إلا السيف حتى يغلبك الباطل . قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأنك تطاع اليوم وتعصي غدا ، وإنه يطاع ولا يعصى ! . فلما انتشر عن علي أصحابه قال : للّه بلاء ابن عباس ، إنه لينظر إلى الغيب بستر رقيق . قال : ثم اجتمع أصحاب البرانس « 1 » - وهم وجوه أصحاب علي - على أن يقدّموا أبا موسى الأشعري - وكان مبرنسا - وقالوا : لا نرضى بغيره . فقدّمه عليّ ، وقدّم معاوية عمرو بن العاص ، فقال معاوية لعمرو : إنك قد رميت برجل طويل اللسان قصير الرأي ، فلا ترمه بعقلك كله . فأخلي لهما مكان يجتمعان فيه . فأمهله عمرو بن العاص ثلاثة أيام ، ثم أقبل إليه بأنواع من الطعام يشهّيه بها ، حتى إذا استبطن أبو موسى ناجاه عمرو فقال له : يا أبا موسى ، إنك شيخ أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وذو فضلها وذو سابقتها ؛ وقد ترى ما وقعت فيه هذه الأمّة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها ؛ فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمّة فيحقن اللّه بك دماءها ، فإنه يقول في نفس واحدة وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً « 2 » . فكيف بمن أحيا أنفس هذا الخلق كله ؟ قال له : وكيف ذلك ؟ قال : تخلع أنت عليّ بن أبي طالب ، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ؛ ونختار لهذه الأمّة رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة ولم يغمس يده فيها . قال له : ومن يكون ذلك ؟
--> ( 1 ) البرانس : جمع برنس ، وهو قلنسوة طويلة ، كان النساك يلبسونها في صدر الاسلام . ( 2 ) سورة المائدة الآية 32 .