أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

95

العقد الفريد

وكان عمرو بن العاص قد فهم رأي أبي موسى في عبد اللّه بن عمر ؛ فقال له : عبد اللّه بن عمر . فقال : إنه لكما ذكرت ، ولكن كيف لي بالوثيقة منك ؟ فقال له : يا أبا موسى ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 1 » ؛ خذ من العهود والمواثيق حتى ترضى . ثم لم يبق عمرو بن العاص عهدا ولا موثقا ولا يمينا مؤكدة حتى حلف بها ، حتى بقي الشيخ مبهوتا ، وقال له : قد أجبت ! فنودي في الناس بالاجتماع إليهما فاجتمعوا . فقال له عمرو : قم فأخطب الناس يا أبا موسى ، فقال : قم أنت اخطبهم . فقال : سبحان اللّه ! أنا أتقدّمك وأنت شيخ أصحاب محمد ! واللّه لا فعلت أبدا . قال : أو عسى في نفسك امر ! - فزاده أيمانا وتوكيدا ، حتى قام الشيخ فخطب الناس ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إني قد اجتمعت أنا وصاحبي على أن أخلع أنا عليّ بن أبي طالب ، ويعزل هو معاوية بن أبي سفيان ؛ ونجعل هذا الأمر لعبد اللّه بن عمر ؛ فإنه لم يحضر في فتنة ، ولم يغمس يده في دم امرئ مسلم . ألا وإني قد خلعت عليّ بن أبي طالب كما أختلع سيفي هذا ! ثم خلع سيفه من عاتقه وجلس ، وقال لعمرو : قم . فقام عمرو بن العاص ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : أيها الناس ، إنه قد كان من رأي صاحبي ما قد سمعتم ، وإنه قد أشهدكم أنه خلع عليّ بن أبي طالب كما يخلع سيفه ؛ وأنا أشهدكم أني قد أثبتّ معاوية بن أبي سفيان كما أثبت سيفي هذا !

--> ( 1 ) سورة الرعد الآية 28 .