أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

93

العقد الفريد

وقالوا : لما قدم عمرو بن العاص على معاوية وقام معه في شأن علي بعد أن جعل له مصر طعمة . قال له : إن بأرضك رجلا له شرف واسم ، واللّه إن قام معك استهويت به قلوب الرجال ؛ وهو عبادة بن الصامت . فأرسل إليه معاوية ، فلما أتاه وسّع له بينه وبين عمرو بن العاص ، فجلس بينهما ، فحمد اللّه معاوية وأثنى عليه ، وذكر فضل عبادة وسابقته ، وذكر فضل عثمان وما ناله ، وحضّه على القيام معه ؛ فقال عبادة : قد سمعت ما قلت ، أتدريان لم جلست بينكما في مكانكما ؟ قالا : نعم ، لفضلك وسابقتك وشرفك . قال : لا واللّه ، ما جلست بينكما لذلك ، وما كنت لأجلس بينكما في مكانكما ؛ ولكن بينا نحن نسير مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في غزاة تبوك ، إذ نظر إليكما تسيران وأنتما تتحدّثان ، فالتفت إلينا فقال : إذا رأيتموهما اجتمعا ففرّقوا بينهما ؛ فإنما لا يجتمعان على خير أبدا ! وأنا أنهاكما عن اجتماعكما ؛ فأمّا ما دعوتماني إليه من القيام معكما ، فإنّ لكما عدوّا هو أغلظ أعدائكما عليكما ، وأنا كامن من ورائكم في ذلك العدو ، إن اجتمعتم على شيء دخلت فيه . أمر الحكمين أبو الحسن قال : لما كان يوم الهرير ، وهو أعظم يوم بصفين ، زحف أهل العراق على أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم ، حتى انتهوا إلى سرادق « 1 » معاوية ، فدعا بالفرس وهمّ بالهزيمة ، ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال له : ما عندك ؟ قال : تأمر بالمصاحف فترفع في أطراف الرماح ، ويقال : هذا كتاب اللّه يحكم بيننا وبينكم . . . فلما نظر أهل العراق إلى المصاحف ، ارتدعوا واختلفوا : قال بعضهم : نحاكمهم إلى كتاب اللّه ، وقال بعضهم : لا نحاكمهم ، لأنا على يقين من أمرنا ولسنا على شك . ثم أجمع رأيهم على التحكيم ، فهمّ عليّ أن يقدّم أبا الأسود الدئلي ، فأبى الناس عليه ؛ فقال له ابن عباس : اجعلني أحد الحكمين ، فو اللّه لأفتلنّ لك حبلا لا ينقطع

--> ( 1 ) السرادق : كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب . والفسطاط يجتمع فيه الناس لعرس أو مأتم وغيرهما .