أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
92
العقد الفريد
وقال النجاشي يوم صفين ، وكتب بها إلى معاوية : يا أيها الملك المبدي عداوته * انظر لنفسك أيّ الأمر تأتمر فإن نفست على الأقوام مجدهم * فابسط يديك فإنّ الخير مبتدر واعلم بأنّ عليّ الخير من نفر * شمّ العرانين لا يعلوهم بشر « 1 » نعم الفتى أنت إلّا أن بينكما * كما تفاضل ضوء الشمس والقمر وما إخالك إلّا لست منتهيا * حتى ينالك من أظفاره ظفر خبر عمرو بن العاص سفيان بن عيينة قال : أخبرني أبو موسى الأشعري قال : أخبرني الحسن قال : علم معاوية واللّه ، إن لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر ، فقال له يا عمرو ، اتبعني . قال لما ذا ؟ للآخرة ؟ فو اللّه ما معك آخرة ؛ أم للدنيا ؟ فو اللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها ! قال : فأنت شريكي فيها . قال : فاكتب لي مصر وكورها « 2 » . فكتب له مصر وكورها وكتب في آخر الكتاب : وعلى عمرو السمع والطاعة . قال عمرو : واكتب : إن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا . قال معاوية : لا ينظر الناس إلى هذا . قال عمرو : حتى تكتب . قال : فكتب ، واللّه ما يجد بدا من كتابتها ! ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر ، وعمرو يقول له : إنما أبايعك بها ديني ! فقال عتبة : ائتمن الرجل بدينه ، فإنه صاحب من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم . وكتب عمرو إلى معاوية : معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا ، فانظرن كيف تصنع ؟ وما الدين والدّنيا سواء وإنّني * لآخذ ما تعطى ورأسي مقنّع فإن تعطني مصرا فأربح صفقة * أخذت بها شيخا يضرّ وينفع
--> ( 1 ) شم العرانين : أعزة أباة . ( 2 ) الكورة : الصقع . والبقعة التي يجتمع فيها قرى ومحال .