أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

87

العقد الفريد

أيها الناس ، اتقوا السيوف بوجوهكم ، والرماح بصدوركم ، وموعدي وإياكم الراية الحمراء « 1 » . فقال رجل من أهل العراق : ما رأيت كاليوم خطيبا يخطبنا ، يأمرنا أن نتقي السيوف بوجوهنا ، والرماح بصدورنا ، ويعدنا راية بيننا وبينها مائة ألف سيف . قال أبو عبيدة في التاج : جمع علي بن أبي طالب رئاسة بكر كلها يوم صفين لحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة ، وجعل ألويتها تحت لوائه ، وكانت له راية سوداء يخفق ظلّها إذا أقبل ، فلم يغن أحد في صفين غناءه ؛ فقال فيه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : لمن راية سوداء يخفق ظلّها * إذا قيل قدّمها حضين تقدّما يقدّمها في الصفّ حتى يزيرها * حياض المنايا تقطر السّمّ والدّما جزى اللّه عني والجزاء بكفه * ربيعة خيرا ، ما أعفّ وأكرما وكان من همدان في صفين [ بلاء ] حسن ، فقال فيهم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : لهمدان أخلاق ودين يزينهم * وبأس إذا لاقوا وحسن كلام فلو كنت بوّابا على باب جنّة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام أبو الحسن قال : كان عليّ بن أبي طالب يخرج كل غداة لصفين في سرعان الخيل « 2 » ، فيقف بين الصفين ثم ينادي : يا معاوية ، علام يقتتل الناس ؟ ابرز اليّ أو أبرز إليك ، فيكون الأمر لمن غلب . فقال له عمرو بن العاص : أنصفك الرجل ! فقال له معاوية : أردتها يا عمرو ! واللّه لا رضيت عنك حتى تبارز عليّا . فبرز إليه متنكرا ؛ فلما غشيه عليّ بالسيف رمى بنفسه إلى الأرض وأبدى له سوأته فضرب عليّ وجه فرسه وانصرف عنه ؛ فجلس معه معاوية يوما فنظر إليه يضحك ؛ فقال عمرو :

--> ( 1 ) يريد راية معاوية . ( 2 ) سرعان الخيل : أوائلها .