أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

365

العقد الفريد

قلت : ما ترى فيمن على الموسم ؟ وكان عليه يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي خال الوليد ؛ فتنفس الصعداء وقال : عن الصلاة خلفه تسألني ، أم كرهت أن يتأمّر على آل اللّه من ليس منهم ؟ قلت : عن كلا الأمرين . قال : إن هذا عند اللّه لعظيم ؛ فأما الصلاة ففرض للّه تعبّد به خلقه ، فأدّ ما فرض اللّه تعالى عليك في كل وقت مع كلّ أحد وعلى كل حال ؛ فإن الذي ندبك لحجّ بيته وحضور جماعته وأعياده لم يخبرك في كتابه بأنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا ، رحمة منه لك ؛ ولو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك ؛ فاسمح يسمح « 1 » لك . قال : ثم كررت في السؤال عليه ، فما احتجت أن أسأل عن أمر دين أحدا بعده . ثم قلت : يزعم أهل العلم أنها ستكون لكم دولة . فقال : لا شك فيها ، تطلع طلوع الشمس وتظهر ظهورها ؛ فنسأل اللّه خيرها ، ونعوذ باللّه من شرّها ؛ فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها . قلت : أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها ؟ قال : نعم ، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم ، ونأبى إلا طلبا بحقنا ، فننصر ويخذلون ، كما نصر بأوّلنا أوّلهم ، ويخذل بمخالفتنا من خالف منهم قال : فاسترجعت ، فقال : سهل عليك الأمر سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا « 2 » . وليس ما يكون لهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم وحفظ أعقابهم وتجديد الصّنيعة عندهم . قلت : كيف تسلم لهم قلوبكم وقد قاتلوكم مع عدوّكم ؟ قال : نحن قوم حبّب إلينا الوفاء وإن كان علينا ؛ وبغّض إلينا الغدر وإن كان لنا ، وإنما يشذّ عنا منهم الأقل ؛ فأما أنصار دولتنا ونقباء شيعتنا وأمراء جيوشنا فهم مواليهم ، وموالي القوم من أنفسهم ؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا بالمحسن عن المسئ ، ووهبنا للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه ؛ فتذهب النّائرة « 3 » ، وتخبو الفتنة ، وتطمئن القلوب . قلت ، ويقال ، إنه يبتلي بكم من أخلص لكم المحبة . قال : قد روى : إن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره « 4 » . قلت : لم أرد هذا . قال : فمه ؟ قلت : تعقّون

--> ( 1 ) سمح : جاد وكرم . ( 2 ) سورة الأحزاب : 62 . ( 3 ) النائرة : العداوة والشحناء . ( 4 ) القرار : المكان المنخفض يجتمع فيه الماء .