أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

366

العقد الفريد

الوليّ وتحظون العدوّ ! قال : من يسعد بنا من الأولياء أكثر ، ومن يسلم لنا من الأعداء أقلّ وأيسر ؛ وإنما نحن بشر وأكثرنا أذن « 1 » ، ولا يعلم الغيب إلا اللّه ، وربما استترت عنا الأمور فنقع بما لا نريد وإن لنا لإحسانا يأسو اللّه به ما نكلم ، ويرمّ به ما نثلم ، ونستغفر اللّه مما لا نعلم ، وما أنكرت من أن يكون الأمر على ما بلغك ، مع الوليّ التعزز والإدلال ، والثقة والاسترسال ؛ ومع العدو التحرّز والاحتيال ، والتذلل والاغتيال ، وربما أملّ المدل ، وأخلّ المسترسل ، وتجانب المتقرّب ؛ ومع المقة « 2 » تكون الثقة ؛ على أن العاقبة لنا على عدوّنا ، وهي لولينا ؛ وإنك لسئول يا أخا بني تميم . قلت : إني أخاف أن لا أراك بعد اليوم ! قال : إني لأرجو أن أراك وتراني كما تحب عن قريب إن شاء اللّه تعالى ! قلت : عجّل اللّه ذلك . قال : آمين . قلت : ووهب لي السلامة منكم فإني من محبيكم ! قال : آمين . وتبسم وقال : لا بأس عليك ما أعاذك اللّه من ثلاث . قلت : وما هي ؟ قال : قدح في الدين ، أو هتك للملك ، أو تهمة في حرمة ، ثم قال : احفظ عني ما أقول لك ، أصدق وإن ضرّك الصّدق ، وانصح وإن باعدك النّصح ، ولا تجالس عدوّنا وإن أحظيناه ، فإنه مخذول ؛ ولا تخذل ولينا ، فإنه منصور ؛ وأصبحنا بترك المماكرة ، وتواضع إذا رفعوك ، وصل إذا قطعوك ، ولا تسخف فيمقتوك ، ولا تنقبض فيتحشموك ، ولا تبدأ حتى يبدءوك ، ولا تخطب الأعمال ، ولا تتعرض للأموال ؛ وأنا رائح من عشيّتي هذه ؛ فهل من حاجة ؟ فنهضت لوداعه فودعته ، ثم قلت : أترقّب لظهور الأمر وقتا ؟ قال : اللّه المقدّر الموقّت ، فإذا قامت النّوحتان بالشام فهما آخر العلامات . قلت : وما هما ؟ قال : موت هشام العام ، وموت محمد بن علي مستهلّ ذي القعدة ، وعليه أخلفت وما بلغتكم حتى أنضيت ، قلت : فهل أوصى ؟ قال : نعم ، إلى ابنه إبراهيم . قال : فلما خرجت إذا مولى له يتبعني ، حتى عرف منزلي ، ثم أتاني بكسوة من

--> ( 1 ) الأذن : الخير . ( 2 ) المقة : المحبة .