أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

364

العقد الفريد

منصرفا ، فكأن عينا أصابته ، فكبا « 1 » كبوة دميت لها إصبعه ، فقعد لها القرفصاء ، فدنوت منه متوجعا لما ناله ، متصلا به ، أمسح رجله من عفر التراب ، فلا يمتنع علي ، ثم شققت حاشية ثوبه فعصبت بها إصبعه وما ينكر ذلك ولا يدفعه ، ثم نهض متوكئا عليّ ، وانقدت له أماشيه ، حتى إذا أتى دارا بأعلى مكة ابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته ، ففتحا له الباب فدخل واجتذبني فدخلت بدخوله ؛ ثم خلى يدي وأقبل على القبلة ، فصلى ركعتين أوجز فيهما في تمام ، ثم استوى في صدر مجلسه ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلم أتم صلاة وأطيبها ، ثم قال : لم يخف عليّ مكانك منذ اليوم ولا فعلك بي ؛ فمن تكون يرحمك اللّه ؟ قلت : شبيب بن شيبة التميمي ، قال : الأهتمي ؟ قلت : نعم . قال : فرحّب وقرّب ، ووصف قومي بأبين بيان وأفصح لسان ، فقلت له : أنا أجلك - أصلحك اللّه - عن المسألة ، وأحبّ المعرفة ! فتبسم وقال : لطف أهل العراق ! أنا عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس . فقلت : بأبي أنت وأمي ، ما أشبهك بنسبك وأدلّك على منصبك ! ولقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك ! قال : فاحمد اللّه يا أخا بني تميم فإنّا قوم إنما يسعد اللّه بحبّنا من أحبّه ؛ ويشقي ببغضنا من أبغضه ، ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب اللّه ويحب رسوله ؛ ومهما ضعفنا عن جزائه قوي اللّه على أدائه . فقلت له : أنت توصف بالعلم وأنا من حملته ، وأيام الموسم ضيقة ، وشغل أهل مكة كثير ، وفي نفسي أشياء أحبّ أن أسأل عنها ؛ أفتأذن لي فيها جعلت فداك ؟ قال : نحن من أكثر الناس مستوحشون ، وأرجو أن تكون للسرّ موضعا ، وللأمانة واعيا ؛ فإن كنت كما رجوت فافعل . قال : فقدّمت من وثائق القول والأيمان ما سكن إليه ، فتلا قول اللّه : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ « 2 » . ثم قال : سل عما بدا لك .

--> ( 1 ) كبا الرجل : عثر ، وكبا الحيوان : انكبّ على وجهه . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 19 .