أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
363
العقد الفريد
كنظري إلى آبائهم قبلهم ؛ إن دولتكم ستطول ، وكلّ طويل مملول ؛ وكلّ مملول مخذول ، فإذا كان ذلك كذلك ، كان سببه اختلافكم فيما بينكم ، واجتماع المخلفين عليكم ، فيدبر الأمر بضدّ ما أقبل له ، فلست أذكر جسيما يركب منكم ولا قبيحا ينتهك فيكم ، إلا والذي أمسك عن ذكره أكثر وأعظم ؛ ولا معوّل عليه عند ذلك أفضل من الصبر واحتساب الأجر ، فيمادكم القوم دولتهم امتداد العنانين في عنق الجواد ، حتى إذا بلغ اللّه بالأمر مداه ، وجاء الوقت المبلول بريق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، مع الخلقة المطبوعة على ملالة الشيء المحبوب ، كانت الدولة كالإناء « 1 » المكفأ فعندها أوصيكم بتقوى اللّه الذي لم يتقه غيركم فيكم ، فجعل العاقبة لكم ، والعاقبة للمتقين . قال عمرو بن عتبة : فدخلت عليه يوما آخر فقال : يا عمرو ، أوعيت كلامي ؟ قلت : وعيت . قال : أعد عليّ كلامي ، فلقد كلمتكم وما أراني أمسي من يومكم ذلك . شبيب وعبد اللّه : قال شبيب بن شيبة الأهتمي حججت عام هلك هشام وولي الوليد بن يزيد ، وذلك سنة خمس وعشرين ومائة ، فبينما أنا مريح ناحية من المسجد ، إذ طلع من بعض أبواب المسجد فتى أسمر رقيق السّمرة ، موفر اللّمّة « 2 » ، خفيف اللّحية ، رحب الجبهة ، أقنى « 3 » بين القنا ، أعين كأن عينيه لسانان ينطقان ، يخلق أبّهة الأملاك بزي النساك ، تقبله القلوب ، وتنبعه العيون ، يعرف الشرف في تواضعه والعتق في صورته ، واللّب في مشيته ؛ فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره ، وسبقني فتحرّم بالطواف ، فلما سبّع قصد المقام فركع ، وأنا أرعاه ببصري ، ثم نهض
--> ( 1 ) الإناء المكفأ : المقلوب . ( 2 ) اللمة : شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن . ( 3 ) الأقنى : الذي ارتفع وسط قصبة أنفه وضاق منخراه .