أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
334
العقد الفريد
فلما قدم المدينة عبد اللّه بن الحسن ، اجتمع إليه الفاطميون وجعل يفرّق فيهم الأموال التي بعث بها أبو العباس ، فعظم بها سرورهم ؛ فقال لهم عبد اللّه ابن الحسن : فرحتم ؟ قالوا : وما لنا لا نفرح بما كان محجوبا عنا بأيدي بني مروان حتى أتى اللّه بقرابتنا وبني عمنا فأصاروه إلينا ؟ قال لهم : أفرضيتم أن تنالوا هذا من تحت أيدي قوم آخرين ؟ فخرج الرجل الذي كان وكله أبو العباس بأخبارهم ، فأخبره بما سمع من قولهم وقوله ؛ فأخبر أبو العباس أبا جعفر بذلك ، فزادت الأمور شرّا . أبو جعفر وابن حسن : ثم مات أبو العباس وقام أبو جعفر بالأمر بعده ، فبعث بعطاء أهل المدينة وكتب إلى عامله ، أن أعط الناس في أيديهم ولا تبعث إلى أحد بعطائه ، وتفقّد بني هاشم ومن تخلّف منهم ممن حضر ، وتحفظ بمحمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن . ففعل وكتب : إنه لم يتخلف أحد عن العطاء إلا محمد وإبراهيم ابنا عبد اللّه ابن الحسن ، فإنهما لم يحضرا . فكتب أبو جعفر إلى عبد اللّه بن الحسن ، وذلك مبدأ سنة تسع وثلاثين ومائة ، يسأله عنهما ويأمره بإظهارهما ويخبره أنه غير عاذره . فكتب إليه عبد اللّه أنه لا يدري أين هما ولا أين توجها . وأن غيبتهما غير معروفة ؛ فلم يلبث أبو جعفر - وكان قد أذكى العيون « 1 » ووضع الأرصاد « 2 » - حتى جاءه كتاب من بعض ثقاته يخبره أن رسولا لعبد اللّه ومحمد وإبراهيم خرج بكتب إلى رجال بخراسان يستدعيهم إليهم ؛ فأمر أبو جعفر برسولهم فأتى به وبكتبه ، فردها إلى عبد اللّه بن الحسن بطوابعها ، لم يفتح منها كتابا ، وردّ إليه رسوله وكتب إليه : إني أتيت برسولك والكتب التي معه فرددتها إليك بطوابعها ، كراهية أن أطّلع منهما على ما يغيّر لك قلبي ؛ فلا تدع إلى التقاطع بعد التواصل ، ولا إلى الفرقة بعد
--> ( 1 ) العيون : الجواسيس . ( 2 ) الأرصاد : يريد : الرقباء .