أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
303
العقد الفريد
عبد الملك والحجاج وعروة ابن الزبير : كان عروة بن الزبير عاملا على اليمن لعبد الملك بن مروان ، فاتصل به أن الحجاج مجمع على مطالبته بالأموال التي بيده وعزله عن عمله ؛ ففر إلى عبد الملك وعاذ به تخوّفا من الحجاج واستدفاعا لضرره وشرّه ؛ فلما بلغ ذلك الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان : أما بعد فإن لواذ المعترضين بك ، وحلول الجانحين إلى المكث بساحتك ، واستلانتهم دمث « 1 » أخلاقك وسعة عفوك ، كالعارض المبرق لأعدائه لا يعدم له شائما ، رجاء استمالة عفوك ؛ وإذا أدني الناس بالصفح عن الجرائم ، كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل وال والناس عبيد العصا ، هم على الشدة أشدّ استباقا منهم على اللين ، ولنا قبل عروة بن الزبير مال من مال اللّه ، وفي استخراجه منه قطع لطمع غيره ، فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك ، والسلام . فلما قرأ الكتاب ، بعث إلى عروة ثم قال له : إن كتاب الحجاج قد ورد فيك ، وقد أبى إلا إشخاصك إليه . ثم قال لرسول الحجاج : شأنك به . فالتفت إليه عروة مقبلا عليه ، وقال : أما واللّه ما ذلّ وخزي من مات ، ولكن ذل وخزي من ملكتموه ؛ واللّه لئن كان الملك بجواز الأمر ونفاذ النهي ، إن الحجاج لسلطان عليك ، ينفذ أموره دون أمورك ؛ إنك لتريد الأمر يزينك عاجله ويبقى لك أكرومة « 2 » آجله ، فيجذبك عنه ويلقاه دونك ، ليتولى من ذلك الحكم فيه ، فيحظى بشرف عفو إن كان ، أو يجرم عقوبة إن كانت ، وما حاربك من حاربك إلا على أمر هذا بعضه . قال : فنظر في كتاب الحجاج مرة ورفع بصره إلى عروة تارة ، ثم دعا بدواة وقرطاس فكتب إليه : أما بعد ، فإن أمير المؤمنين رآك مع ثقته بنصيحتك ، خابطا في السياسة خبط
--> ( 1 ) دمث الأخلاق : سهلها ولينها . ( 2 ) الأكرومة : الفعلة الكريمة .