أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

302

العقد الفريد

يوسف . فأعادت الرسول إليه تقول : واللّه لأن يخلو بك ملك الموت أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجاج ! فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول ، فإنما المرأة ريحانة ، وليست بقهرمانة « 1 » ؛ فلا تطلعها على سرك ومكايدة عدوك . فلما دخل الوليد عليها أخبرها بمقالة الحجاج ؛ فقالت : يا أمير المؤمنين ، حاجتي أن تأمره غدا يأتيني مستلئما « 2 » . ففعل ذلك ؛ فأتاها الحجاج فحجبته ، فلم يزل قائما ؛ ثم قالت له : إيه يا حجاج ! أنت الممتنّ على أمير المؤمنين بقتلك عبد اللّه بن الزبير وابن الأشعث ؟ أما واللّه لولا أن اللّه علم أنك من شرار خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة ، وقتل ابن ذات النطاقين ، أول مولود ولد في الإسلام ؛ وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ أوطاره منهن ؛ فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ عنك ، وإن كن ينفرجن عن مثله فغير قابل لقولك : أما واللّه لقد نقض نساء أمير المؤمنين الطيب عن غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من الفرق « 3 » ، قد أظللتك رماحهم ، وأثخنك كفاحهم ؛ وحين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ؛ فما نجّاك اللّه من عدو أمير المؤمنين إلا بحبهم إياه ، وللّه در القائل إذ نظر إليك وسنان غزالة « 4 » بين كتفيك : أسد عليّ وفي الحروب نعامة * ربواء تجفل من صفير الصافر « 5 » هلا برزت إلى غزالة في الوغى * بل كان قلبك في مخالب طائر صدعت غزالة جمعه بعساكر * تركت كتائبه كأمس الدابر ثم قالت : أخرج ! فخرج مذموما مدحورا .

--> ( 1 ) قهرمانه : مدبّرة البيت ومتولية شؤونه . والقهرمان : المسيطر الحفيظ على ما تحت يديه . ( 2 ) استلأم : لبس لأمته ، واللأمة : أداة الحرب كلها . ( 3 ) الفرق : الشديد الفزع . ( 4 ) يريد غزالة الحرورية . ( 5 ) ربأ في مشيته : تثاقل في مشيه .