أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
289
العقد الفريد
وفي يد الأمير ما أرى ! فضحك وأغمد سيفه . وقال : اجلس ، ما كان من حديث الخبيث ؟ فقلت له : أيها الأمير ، واللّه ما غششتك منذ استصحبتني ولا كذبتك منذ استخبرتني ، ولا خنتك منذ ائتمنتني ؛ ثم حدثته ؛ فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعرض عني بوجهه ، وأومأ « 1 » إلي بيده ، وقال : لا تسمّه . ثم قال : إن للخبيث نفسا ، وقد سمع الأحاديث . شيء عن الحجاج : ويقال : إن الحجاج كان إذا استغرب ضحكا وإلى بين استغفار ، وكان إذا صعد المنبر تلفع بمطرفه « 2 » ، ثم تكلم رويدا فلا يكاد يسمع ، حتى يتزايد في الكلام فيخرج يده من مطرفه ، ثم يزجر الزجرة فيقرع بها أقصى من في المسجد . خالد القسري في شأن الحجاج : صعد خالد بن عبد اللّه القسري المنبر في يوم الجمعة وهو إذ ذاك على مكة ؛ فذكر الحجاج ، فحمد طاعته وأثنى عليه خيرا ؛ فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك ، يأمره فيه بشتم الحجاج ونشر عيوبه وإظهار البراءة منه : فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : إن إبليس كان ملكا من الملائكة ، وكان يظهر من طاعة اللّه ما كانت الملائكة ترى له به فضلا ، وكان اللّه قد علم من غشّه وخبثه ما خفي على ملائكته ، فلما أراد اللّه فضيحته أمره بالسجود لآدم ، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم ، فلعنوه ؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا ، وكان اللّه قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي عنا ؛ فلما أراد اللّه فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين ، فلعنه ، فالعنوه لعنه اللّه ! ثم نزل .
--> ( 1 ) أومأ : أشار . ( 2 ) المطرف : رداء من خزّ مربع ذو أعلام .