أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
285
العقد الفريد
العصر ، فلما رآني قال : ما احتواك المضجع يا نباتة ! فقلت : من خاف من وجه الصباح أدلج « 1 » . فسلمت وانتبذت عنه فتركني حتى سكن جأشي ، ثم قال : مهيم « 2 » . فدفعت إليه الكتاب فقرأه متبسما ، فلما مضى فيه ضحك حتى بدت له سنّ سوداء ثم استقصاه فانصرف إليّ فقال : كيف رأيت إشفاقه ؟ قال : فقصصت عليه ما رأيت منه فقال : صلوات اللّه على الصادق الأمين : إن من البيان لسحرا . ثم قذف الكتاب إليّ فقال : اقرأ . فقرأته فإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم . لعبد اللّه أمير المؤمنين ، وخليفة رب العالمين ، المؤيّد بالولاية ، المعصوم من خطل القول وزلل الفعل ، بكفالة اللّه الواجبة لذوي أمره ؛ من عبد اكتنفته الزّلة « 3 » ، ومدّ به الصّغار « 4 » إلى وخيم المرتع ، ووبيل المكرع « 5 » ، من جليل فادح ومعتد قادح ؛ والسلام عليك ورحمة اللّه التي اتسعت فوسعت ، وكان بها إلى أهل التقوى عائدا ؛ فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ، راجيا لعطفك بعطفه . أما بعد ، كان اللّه لك بالدّعة في دار الزوال ، والأمن في دار الزلزال ، فإنه من عنيت به فكرتك يا أمير المؤمنين مخصوصا ، فما هو إلا سعيد يؤثر ، أو شقي يوتر « 6 » ؛ وقد حجبني عن نواظر السعد لسان مرصد ونافس حقد ، انتهز به الشيطان حين الفكرة ، فافتتح به أبواب الوسواس بما تحنق به الصدور ؛ فوا غوثاه استعاذة بأمير المؤمنين من رجيم إنما سلطانه على الذين يتولونه ، واعتصاما بالتوكل على من خصه بما أجزل له من قسم الإيمان وصادق السنة ، فقد أراد اللعين أن يفتق لأوليائه فتقا نبا عنه كيده ، وكثر عليه تحسره ، بلية قرع بها فكر أمير المؤمنين ملبسا
--> ( 1 ) أدلج : سار في أول الليل . ( 2 ) مهيم : أي ما حالك وما شأنك ، أو ما وراءك . ( 3 ) الزلة : الخطأ . ( 4 ) الصّغار : الذلّ والوضاعة . ( 5 ) المكرع : الموضع حيث الماء . ( 6 ) يوتر : يقتل حميمه أو يدركه مكروه .