أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
286
العقد الفريد
وكادحا ومؤرّشا « 1 » ، ليفلّ من عزمه الذي نصبني ، ويصيب ثأرا لم يزل به موتورا ، وذكر قديم ما منى به الأوائل حتى لحقت بمثله منهم وما كنت أبلوه من خسة أقدار ، ومزاولة أعمال ، إلى أن وصلت ذلك بالتشرّط لروح بن زنباع . وقد علم أمير المؤمنين بفضل ما اختار اللّه له تبارك وتعالى من العلم المأثور الماضي ، بأن الذي غيّر به القوم من مصانعهم من أشد ما كان يزاوله أهل القدمة « 2 » الذين اجتبى اللّه منهم ، وقد اعتصموا وامتعضوا من ذكر ما كان ، وارتفعوا بما يكون ، وما جهل أمير المؤمنين - للبيان موقعه ، غير محتج ولا متعدّ - أن متابعة روح بن زنباع طريق الوسيلة لمن أراد من فوقه ، وأن روحا لم يلبسني العزم الذي به رفعني أمير المؤمنين عن خوله ؛ وقد ألصقتني بروح بن زنباع همة لم تزل نواظرها ترمي بي البعيد ، وتطالع الأعلام . وقد أخذت من أمير المؤمنين نصيبا اقتسمه الإشفاق من سخطته والمواظبة على موافقته ، فما بقي لنا بعد إلا صبابة إرث ، به تجول النفس وتطرف النواظر ، ولقد سرت بعين أمير المؤمنين سير المثبّط لمن يتلوه ، المتطاول لمن تقدمه ، غير مبتّ « 3 » موجف ، ولا متثاقل مجحف ؛ ففتّ الطالب ، ولحقت الهارب ، حتى سادت السنّة ، وبادت البدعة ، وخسئ الشيطان ، وحملت الأديان إلى الجادة العظمى والطريقة المثلى ؛ فها أنا ذا يا أمير المؤمنين ، نصب المسألة لمن رامني ، وقد عقدت الحبوة « 4 » ، وقرنت الوظيفتين لقائل محتج ، أو لائم ملتجّ ؛ وأمير المؤمنين ولي المظلوم ، ومعقل الخائف ؛ وستظهر له المحنة نبأ أمري ؛ ولكل نبإ مستقر ؛ وما حفنت « 5 » يا أمير المؤمنين في أوعية ثقيف حتى روي الظمآن ، وبطن الغرثان « 6 » ، وغصّت الأوعية ، وانقدّت « 7 » الأوكية « 8 » في
--> ( 1 ) المؤرش : الذي يوقد النار أو الحرب ، أو يغري بعض الناس ببعض . ( 2 ) القدمة : السابقة في الأمر . ( 3 ) أبت بعيره : إذا أجهده وأتعبه في السير حتى قطعه . ( 4 ) الحبوة : ما يحتبى به من ثوب وغيره . ( 5 ) حفن : جرف بكلتا يديه ، وحفن الماء : ألقاه . ( 6 ) الغرثان : الجائع . ( 7 ) انقدّت : انقطعت . ( 8 ) الأوكية : جمع وكاء : وهو الخيط الذي تشد به الصرة أو الكيس .