أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

282

العقد الفريد

بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه ، عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف : أمّا بعد ، فقد أصبحت بأمرك برما « 1 » ، يقعدني الإشفاق ، ويقيمني الرجاء ، وإذا عجزت في دار السعة وتوسّط الملك وحين المهل واجتماع الفكر أن ألتمس العذر في أمرك ؛ فأنا لعمر اللّه في دار الجزاء وعدم السلطان واشتغال الحامّة « 2 » والركون إلى الذلة من نفسي والتوقع لما طويت عليه الصحف أعجز ؛ وقد كنت أشركتك فيما طوّقني اللّه عز وجل حمله ولاث « 3 » بحقوى من أمانته في هذا الخلق المرعيّ ، فدللت منك على الحزم والجدّ في إماتة بدعة وإنعاش سنة ، فقعدت عن تلك ونهضت بما عاندها ، حتى صرت حجة الغائب ، وعذر اللاعن والشاهد القائم . فلعن اللّه أبا عقيل وما نجل « 4 » ، فألأم والد وأخبث نسل ، فلعمري ما ظلمكم الزمان ، ولا قعدت بكم المراتب ، فقد ألبستكم ملبسكم ، وأقعدتكم على روابي خططكم ، وأحلّتكم أعلى منعتكم ، فمن حافر وناقل وماتح « 5 » للقلب المقعدة في القيافي المتفيهقة « 6 » ، ما تقدّم فيكم الإسلام ولقد تأخرتم ، وما الطائف منا ببعيد يجهل أهله ؛ ثم قمت بنفسك ، وطمحت بهمّتك ، وسرّك انتضاء سيفك ، فاستخرجك أمير المؤمنين من أعوان روح بن زنباع وشرطته ، وأنت على معاونته يومئذ محسود ، فهفا « 7 » أمير المؤمنين واللّه يصلح بالتوبة والغفران زلّته ، وكأني بك وكأن ما لو لم يكن لكان خيرا مما كان ؛ كلّ ذلك من تجاسرك وتحاملك على المخالفة لرأي أمير المؤمنين ، فصدعت صفاتنا ، وهتكت حجبنا ، وبسطت يديك تحفن « 8 » بهما من كرائم ذوي الحقوق اللازمة والأرحام الواشجة ، في أوعية ثقيف ؛ فاستغفر اللّه لذنب ما له عذر ، فلئن استقال أمير المؤمنين فيك الرأي ، فلقد جالت البصيرة في ثقيف بصالح النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ ائتمنه على الصدقات وكان عبده ، فهرب بها عنه ، وما هو إلا اختيار

--> ( 1 ) البرم : الضجر ، والملول . ( 2 ) الحامّة : الخاصة من الأهل والولد . ( 3 ) لاث : لفّ وعصب . ( 4 ) نجل الولد : نسله . ( 5 ) الماتح : المستخرج الماء من البئر . والقلب : جمع جمع قليب ، وهو البئر . ( 6 ) المتفيهقة : الواسعة . ( 7 ) هفا : ارتكب هفوة . ( 8 ) تحفن : تعطي .