أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
283
العقد الفريد
للثقة ، والمطّلب لمواضع الكفاية : فقعد فيه الرجاء كما قعد بأمير المؤمنين فيما نصبك له ، فكأنّ هذا ألبس أمير المؤمنين ثوب العزاء ، ونهض بعذره إلى استنشاق نسيم الرّوح ؛ فاعتزل عمل أمير المؤمنين واظعن عنه باللعنة اللازمة ، والعقوبة الناهكة إن شاء اللّه ، إذ استحكم لأمير المؤمنين ما يحاول من رأيه ، والسلام . ودعا عبد الملك مولى له يقال له نباتة ، له لسان وفضل رأي ، فناوله الكتاب ، ثم قال له : يا نباتة ، العجل ثم العجل ، حتى تأتي العراق ، فضع هذا الكتاب في يد الحجاج ، وترقب ما يكون منه ، فإذا أجبل « 1 » عند قراءته واستيعاب ما فيه ، فاقلعه عن عمله وانقلع معه حتى تأتي به ، وهدّن « 2 » الناس حتى يأتيهم أمري ، بما تصفني به في حين انقلاعك ، من حبّي لهم السلامة ؛ وإن هش للجواب ولم تكتنفه أربة « 3 » الحيرة ، فخذ منه ما يجيب به وأقرره على عمله ، ثم اعجل علي بجوابه . قال نباتة : فخرجت قاصدا إلى العراق ، فضمتني الصحارى والفيافي ، واحتواني القرّ ، وأخذ مني السفر ، حتى وصلت ؛ فلما وردته أدخلت عليه في يوم ما يحضره فيه الملأ ، وعلى شحوب مضنى ، وقد توسط خدمه من نواحيه وتدثر بمطرف خز ادكن « 4 » ، ولاث به الناس من بين قائم وقاعد ؛ فلما نظر إليّ - وكان لي عارفا - قعد ، ثم تبسّم تبسّم الوجل ، ثم قال : أهلا بك يا نباتة ، أهلا بمولى أمير المؤمنين لقد أثّر فيك سفرك ، وأعرف أمير المؤمنين بك ضنينا ، فليت شعري ما دهمك أو دهمني عنده ؟ قال : فسلّمت وقعدت ، فسأل : ما حال أمير المؤمنين وخوله ؟ . . . فلما هدأ أخرجت له الكتاب فناولته إياه ، فأخذه مني مسرعا ويده ترعد ، ثم نظر في وجوه الناس فما شعرت إلا وأنا معه ليس معنا ثالث ، وصار كل من يطيف به من خدمه يلقاه جانبا ، لا يسمعون منا الصوت ؛ ففك الكتاب فقرأه ، وجعل يتثاءب ويردد تثاؤبه ، ويسيل العرق على جبينه وصدغيه - على شدة البرد - من تحت قلنسوته من
--> ( 1 ) أجبل : انقطع . ( 2 ) هدّن : أسكن . ( 3 ) الأربة : العقدة التي لا تنحل حتى تحل حلا . ( 4 ) أدكن : الذي اغبرّ لونه .