أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

281

العقد الفريد

أبيك بالكفر وشرب الخمر حتى أقرّوا أنه خليفة . ثم ولّى وهو يقول : هذا عمرو بن العاص . الأصمعي قال : بعث الحجاج إلى يحيى بن يعمر ، فقال له : أنت الذي تقول : إنّ الحسن بن عليّ ، ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ واللّه لتأتينّي بالمخرج أو لأضربن عنقك ! فقال له : فإن أتيت بالمخرج فأنا آمن ؟ قال : نعم . قال له : اقرأ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى « 1 » فمن أقرب ، عيسى إلى إبراهيم ، وإنما هو ابن ابنته ، أو الحسن إلى محمد ؟ قال الحجاج : فو اللّه لكأني ما قرأت هذه الآية قط ! وولاه قضاء بلده ، فلم يزل بها قاضيا حتى مات . قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : كان عبد الملك بن مروان سنان « 2 » قريش وسيفها رأيا وحزما ، وعابدها قبل أن يستخلف ورعا وزهدا ؛ فجلس يوما في خاصّته فقبض على لحيته فشمّها مليّا ، ثم اجترّ « 3 » نفسه ، ونفخ نفخة أطالها ، ثم نظر في وجوه القوم فقال : ما أقول يوم ذي المسألة عن ابن أمّ الحجاج ، وأدحض المحتج على العليم بما طوته الحجب ؟ أما إنّ تمليكي له قرن بي لوعة يحشها « 4 » التذكار ! كيف وقد علمت فتعاميت ، وسمعت فتصاممت ، وحمله الكرام الكاتبون ! واللّه لكأني إلف ذي الضّغن على نفسي ، وقد نعت الأيام بتصرّفها أنفسا حقّ لها الوعيد بتصرّم الدّول ، وما أبقت الشبهة للباقي متعلّقا ، وما هو إلا الغل « 5 » الكامن من النفس بحوبائها « 6 » ، والغيظ المندمل ؛ اللهم أنت لي أوسع ، غير منتصر ولا معتذر . يا كاتب ، هات الدواة والقرطاس . فقعد كاتبه بين يديه وأملى عليه :

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 84 . ( 2 ) السنان : نصل الرمح . ( 3 ) اجترّ : أخرج جرّته . ( 4 ) يحش : يذكي ويلهب . ( 5 ) الغل : الحقد والبغض . ( 6 ) الحوباء : روع القلب .