أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

274

العقد الفريد

أباكم ركب أمرا عظيما في الإسلام بادّعائه إلى أبي سفيان ؛ فو اللّه ما علمت سميّة بغت قط ؛ وقد استأذن أمير المؤمنين في الحج ، وهو مارّ بالمدينة لا محالة ، وبها أمّ حبيبة ابنة أبي سفيان زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا بد له من الاستئذان عليها ، فإن أذنت له فقعد منها مقعد الأخ من أخته ، فقد انتهك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حرمة عظيمة ، وإن لم تأذن له فهو عار الأبد . ثم خرج ، فقال له زياد : جزاك اللّه خيرا من أخ فما تدع النصيحة على حال . وكتب إلى معاوية يستقيله ، فأقاله . وكتب زياد إلى معاوية : إني قد أخذت العراق بيميني ، وبقيت شمالي فارغة . وهو يعرّض له بالحجاز . فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ، فقال : اللهم اكفنا شماله ! فعرضت له قرحة في شماله فقتلته . ولما بلغ عبد اللّه بن عمر موت زياد قال : اذهب إليك ابن سمية ، لا يدا رفعت عن حرام ولا دنيا تملّيت « 1 » . قال زياد لعجلان حاجبه : كيف تأذن للناس ؟ قال : على البيوتات ، ثم على الأنساب ، ثم على الآداب . قال : فمن تؤخر ؟ قال : من لا يعبأ اللّه بهم . قال : ومن هم ؟ قال : الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف ، وكسوة الصيف في الشتاء . وقال زياد لحاجبه : وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع : هذا المنادي إلى اللّه في الصلاة والفلاح ، لا تعوجنّه « 2 » فلا سلطان لك عليه ؛ وطارق الليل لا تحجبه فشر ما جاء به ، ولو كان خيرا ما جاء في تلك الساعة ؛ ورسول اللّه صاحب الثغر « 3 » ، فإنه إن أبطأ ساعة أفسد عمل سنة ؛ وصاحب الطعام ، فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد . وقال عجلان حاجب زياد : صار لي في يوم واحد مائة ألف دينار وألف سيف قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : أعطى زياد ألف رجل مائتي ألف دينار وسيفا سيفا ، فأعطاني كل رجل منهم نصف عطائه وسيفه .

--> ( 1 ) تمليت : استمتعت . ( 2 ) تعوجنّه : تعطفنّه . ( 3 ) الثغر : كل موضع قريب من أرض العدو .