أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

271

العقد الفريد

قلوب الناس ولم يضبطهم بأهل الشام فضلا عن أهل العراق ولو رام منهم ما رامه زياد لم يفجأك إلا على قعود يوجف « 1 » به . وقال نافع لزياد : استعملت أولاد أبي بكرة وتركت أولادي ؟ قال : اني رأيت أولادك كزما « 2 » قصارا ، ورأيت أولاد أبي بكرة نجباء طوالا . ودخل عبد اللّه بن عامر على معاوية ، فقال له : حتى متى تذهب بخراج العراق ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، ما تقول هذا لمن هو أبعد مني رحما ! ثم خرج فدخل على يزيد فأخبره وشكا إليه ، فقال له : لعلك أغضبت زيادا ! قال : قد فعلت . قال : فإنه لا يرضى حتى ترضي زيادا عنك ! فانطلق ابن عامر فاستأذن على زياد ، فأذن له وألطفه ، فقال له ابن عامر : إن شئت فصلح بعتاب ، وإن شئت فصلح بغير عتاب ، فإنه أسلم للصدر . . . ، ثم راح زياد إلى معاوية فأخبره وأصبح ابن عامر غاديا إلى معاوية ، فلما دخل عليه ، قال : مرحبا بأبي عبد الرحمن . هاهنا . وأجلسه إلى جنبه فقال له : يا أبا عبد الرحمن : لنا سياق ولكم سياق * وقد علمت ذلك الرفاق الحسن بن أبي الحسن قال : ثقل أبو بكرة ، فأرسل زياد إليه أنس بن مالك ليصالحه ويكلمه ، فانطلقت معه ، فإذا هو مولّ وجهه إلى الجدار ، فلما قعد قال له : كيف تجدك أبا كبرة ؟ فقال صالحا : كيف أنت أبا حمزة ؟ فقال له أنس : اتق اللّه أبا بكرة في زياد أخيك ؛ فإن الحياة يكون فيها ما يكون ؛ فأما عند فراق الدنيا فليستغفر اللّه أحدكما لصاحبه ، فو اللّه ما علمت إنه لوصول للرّحم ؛ هذا عبد الرحمن ابنك على الأبلّة ، وهذا داود على مدينة الرّزق ، وهذا عبد اللّه على فارس كلها ؛ واللّه ما أعلمه إلا مجتهدا . قال : أقعدوني . فأقعدوه ، فقال : أخبرني ما قلت في آخر كلامك . فأعاد عليه القول ، فقال : يا انس ، وأهل حروراء قد اجتهدوا ، فأصابوا أو

--> ( 1 ) وجف : اضطرب . ( 2 ) الأكزم : المتجمع القصير .