أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
272
العقد الفريد
أخطئوا ؛ واللّه لا أكلمه أبدا ولا يصلّي عليّ ! فلما رجع أنس إلى زياد أخبره بما قال ، وقال له : إنه قبيح أن يموت مثل أبي بكرة بالبصرة ، فلا تصلي عليه ولا تقوم على قبره ؛ فاركب دوابك والحق بالكوفة . قال : ففعل . ومات أبو بكرة بالغد عند صلاة الظهر ، فصلى عليه أنس بن مالك . وقدم شريح مع زياد من الكوفة لقضاء البصرة ، فكان زياد يجلسه إلى جنبه ويقول له : إن حكمت بشيء ترى غيره أقرب إلى الحق منه فأعلمنيه . فكان زياد يحكم فلا يرد شريح عليه ، فيقول زياد لشريح : ما ترى ؟ فيقول : هذا الحكم ، حتى أتاه رجل من الأنصار فقال : إني قدمت البصرة والخطط « 1 » موجودة ، فأردت أن أختط لي ، فقال لي بنو عمي وقد اختطوا ونزلوا : أين تخرج عنا ؟ أقم معنا واختط عندنا فوسّعوا لي ، فاتخذت فيهم دارا وتزوّجت ، ثم نزغ « 2 » الشيطان بيننا ، فقالوا لي : اخرج عنا ! فقال زياد : ليس ذلك لكم ، منعتموه أن يختط والخطط موجودة وفي أيديكم فضل فأعطيتموه ، حتى إذا ضاقت الخطط أخرجتموه وأردتم الإضرار به ؟ لا يخرج من منزله ! فقال شريح : يا مستعير القدر ارددها . فقال زياد : يا مستعير القدر احبسها ولا ترددها ! فقال محمد بن سيرين : القضاء بما قال شريح ، وقول زياد حسن . وقال زياد : ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا في واحدة : طلبت رجلا فلجأ إليه وتحرّم « 3 » به ، فكتب إليه : إن هذا فساد لعملي : إذا طلبت أحدا لجا إليك فتحرم بك ، فكتب إليّ : إنه لا ينبغي لنا أن نسوس الناس بسياسة واحدة ، فيكون مقامنا مقام رجل واحد ؛ ولكن تكون أنت للشدة والغلظة ، وأكون أنا للرأفة والرحمة ، فيستريح الناس فيما بيننا . ولما عزل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه زيادا من كتابة أبي موسى ، قال له : أعن
--> ( 1 ) الخطط : جمع خطة : وهي الأمر أو الحالة . ( 2 ) نزغ : أفسد وحمل بعضهم على بعض . ( 3 ) تحرم به : تحمى وتمنع .