أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
257
العقد الفريد
ثم استشار ذا النّهى والحجر * من صحبه ومن رجال الثّغر فكلّهم أشار أن لا يدربا * ولا يجوز الجبل المؤشّبا لأنه في عسكر قد انخرم * بندب كلّ العرفاء والحشم وشنّعوا أنّ وراء الفجّ * خمسين ألفا من رجال العلج فقال لا بدّ من الدّخول * وما إلى حاشاه من سبيل وأن أديخ أرض بنبلونة * وساحة المدينة الملعونة وكان رأيا لم يكن من صاحب * ساعده عليه غير الحاجب واستنصر اللّه وعبّى ودخل * فكان فتحا لم يكن له مثل « 1 » لمّا مضى وجاز الدّروبا * وادّرع الهيجاء والحروبا « 2 » عبّى له علج من الأعلاج * كتائبا غطّت على الفجاج « 3 » فاستنصر الإمام ربّ الناس * ثم استعان بالنّدى والباس وعاذ بالرّغبة والدعاء * واستنزل النّصر من السّماء فقدم القوّاد بالحشود * وأتبع المدود بالمدود فانهزم العلج وكانت ملحمه * جاوز فيها السّاقة المقدّمة « 4 » فقتلوا مقتلة الفناء * فارتوت البيض من الدّماء ثم أمال نحو بنبلونة * واقتحم العسكر في المدينة حتى إذا جاسوا خلال دورها * وأسرع الخراب في معمورها بكت على ما فاتها النّواظر * إذ جعلت تدقّها الحوافر لفقد من قتّل من رجالها * وذلّ من أيتم من أطفالها فكم بها وحولها من أغلف * تهمي عليه الدمع عين الأسقف « 5 »
--> ( 1 ) عبأ الشيء : هيأه . وعبّى : عبأ . والمراد هنا تعبئة الجيوش وتهيأتها للحرب . ( 2 ) ادّرع الحروب : خاض غمارها . ( 3 ) الفجاج : جمع الفجّ ، وهو الطريق الواسع البعيد . ( 4 ) الساقة من الجيش : مؤخّره . ( 5 ) الأغلف : الذي لا يعي .