أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

249

العقد الفريد

لمّا رأوا سحائب المنيّة * تمطرهم صواعق البليه تغلغل العجم بأرض العجم * وانحشدوا من تحت كلّ نجم فأقبل العلج لهم مغيثا * يوم الخميس مسرعا حثيثا « 1 » بين يديه الرّجل والفوارس * وحوله الصّلبان والنّواقس وكان يرجو أن يزيل العسكرا * عن جانب الحصن الذي قد دمّرا فاعتاقه بدر بمن لديه * مستبصرا في زحفه إليه حتى التقت ميمنة بميسره * واعتلت الأرواح عند الحنجره ففاز حزب اللّه بالعلجان * وانهزمت بطانة الشيطان فقتلوا قتلا ذريعا فاشيا * وأدبر العلج ذميما خازيا وانصرف الناس إلى القليعة * فصبّحوا العدوّ يوم الجمعة ثم التقى العلجان في الطريق * البنبلونيّ مع الجلّيقي فأعقدا على انتهاب العسكر * وأن يموتا قبل ذاك المحضر وأقسما بالجبت والطاغوت * لا يهزما دون لقاء الموت « 2 » فأقبلوا بأعظم الطّغيان * قد جلّلوا الجبال بالفرسان حتى تداعى الناس يوم السبت * فكان وقتا يا له من وقت فأشرعت بينهم الرماح * وقد علا التّكبير والصّياح وفارقت أغمادها السّيوف * وفغرت أفواهها الحتوف « 3 » والتقت الرجال بالرجال * وانغمسوا في غمرة القتال في موقف زاغت به الأبصار * وقصرت في طوله الأعمار وهبّ أهل الصبر والبصائر * فأوعقوا على العدوّ الكافر « 4 »

--> ( 1 ) العلج : كل جاف شديد من الرجال . ( 2 ) الجبت : كل ما يعبد من دون اللّه . ( 3 ) فغر : فتح . والحتوف : المنايا . ( 4 ) أوعق الغارة : بثها .