أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
248
العقد الفريد
واجتمعت إليه أخلاط الكور * وغاب ذو التّحصيل عنه والنظر « 1 » حتى إذا أوغل في العدوّ * فكان بين البعد والدّنوّ أسلمه أهل القلوب القاسية * وأفردوه للكلاب العاويه فاستشهد القائد في أبرار * قد وهبوا نفوسهم للباري في غير تأخير ولا فرار * إلا شديد الضرب للكفار سنة ست وثلاثمائة قم أقاد اللّه من أعدائه * وأحكم النصر لأوليائه في مبدأ العام الذي من قابل * أزهق فيه الحقّ نفس الباطل فكان من رأي الإمام الماجد * وخير مولود وخير والد أن احتمي للواحد القهّار * وفاض من غيظ على الكفّار فجمع الأجناد والحشودا * ونفّر السيّد والمسودا وحشر الأطراف والثّغورا * ورفض اللّذّة والحبورا « 2 » حتى إذا ما وافت الجنود * واجتمع الحشّاد والحشود قوّد بدرا أمر تلك الطائفة * وكانت النفس عليه خائفه فسار في كتائب كالسّيل * وعسكر مثل سواد الليل حتى إذا حلّ على مطنيّه * وكان فيها أخبث البرّية « 3 » ناصبهم حربا لها شرار * كأنما أضرم فيها النار وجدّ من بينهم القتال * وأحدقت حولهم الرجال فحاربوا يومهم وباتوا * وقد نفت نومهم الرّماة فهم طوال الليل كالطّلائح * جراحهم تنغل في الجوارح « 4 » ثم مضوا في حربهم أيّاما * حتى بدا الموت لهم زؤاما
--> ( 1 ) الأخلاط : جمع الخلط : وهو المختلط النسب . ( 2 ) الحبور : السرور . ( 3 ) مطنيّة : اسم موضع . ( 4 ) الطلائح : الإبل أعيت وتعبت . ونغل الجرح : فسد .