أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

243

العقد الفريد

وضاقت الأرض على سكانها * وأذلت الحرب لظى نيرانها ونحن في عشواء مدلهمّة * وظلمة ما مثلها من ظلمه تأخذنا الصّيحة كلّ يوم * فما تلذّ مقلة بنوم وقد نصلي العيد بالنواظر * مخافة من العدوّ الثائر « 1 » حتى أتانا الغوث من ضياء * طبّق بين الأرض والسماء « 2 » خليفة اللّه الذي اصطفاه * على جميع الخلق واجتباه من معدن الوحي وبيت الحكمة * وخير منسوب إلى الأئمة تكلّ عن معروفه الجنائب * وتستحي من جوده السحائب « 3 » في وجهه من نوره برهان * وكفّه تقبيلها قربان أحيا الذي مات من المكارم * من عهد كعب وزمان حاتم مكارم يقصر عنها الوصف * وغرّة يحسر عنها الطّرف « 4 » وشيمة كالصّاب أو كالماء * وهمّة ترقى إلى السماء « 5 » وانظر إلى الرفيع من بنيانه * يريك بدعا من عظيم شانه لو خايل البحر ندى يديه * إذا لجت عفاته إليه « 6 » لغاض أو لكاد أن يغيضا * ولا استحى من بعد أن يفيضا « 7 » من أسبغ النّعمى وكانت محقا * وفتّق الدّنيا وكانت رتقا هو الذي جمّع شمل الأمة * وجاب عنها دامسات الظلمة وجدّد الملك الذي قد أخلقا * حتى رست أوتاده واستوسقا وجمّع العدّة والعديدا * وكثّف الأجناد والحشودا

--> ( 1 ) الناظور : الحارس . ( 2 ) الغوث : الإعانة والنصرة . ( 3 ) الجنائب : جمع جنوب : وهي ريح تخالف الشمال . ( 4 ) الغرة من الرجل : وجهه . ( 5 ) الصاب : المطر بقدر ما ينفع ولا يؤذي . ( 6 ) المخايلة : المباراة . ( 7 ) غاض : نقص .