أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

244

العقد الفريد

أول غزاة غزاها أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد ثم انتحى جيّان في غزاته * بعسكر يسعر من حماته فاستنزل الوحش من الهضاب * كأنما حطّت من السّحاب فأذعنت مرّاقها سراعا * وأقبلت حصونها تداعى « 1 » لمّا رماها بسيوف العزم * مشحوذة على دروع الحزم كادت لها أنفسهم تجود * وكادت الأرض بهم تميد « 2 » لولا الإله زلزلت زلزالها * وأخرجت من رهبة أثقالها فأنزل الناس إلى البسيط * وقطع البين من الخليط وافتتح الحصون حصنا حصنا * وأوسع الناس جميعا أمنا ولم يزل حتى انتحى جيّانا * فلم يدع بأرضها شيطانا فأصبح الناس جميعا أمّه * قد عقد الإلّ لهم والذّمّه « 3 » ثم انتحى من فوره إلبيره * وهي بكلّ آفة مشهورة « 4 » فداسها بخيله ورجله * حتى توطّأ خدّها بنعله ولم يدع من جنّها مريدا * بها ولا من إنسها عنيدا « 5 » إلّا كساه الذّل والصّغارا * وعمّه وأهله دمارا فما رأيت مثل ذاك العام * ومثل صنع اللّه للإسلام فانصرف الأمير من غزاته * وقد شفاه اللّه من عداته وقبلها ما خضعت وأذعنت * إستجّة وطالما قد صنعت « 6 » وبعدها مدينة الشّنيل * ما أذعنت للصّارم الصّقيل « 7 »

--> ( 1 ) أذعنت : رضخت . ( 2 ) تميد بهم الأرض : تدور كأنها تضطرب به . ( 3 ) الإلّ : العهد . ( 4 ) البيرة : كورة كبيرة من الأندلس . ( 5 ) المريد : الشديد العتو ، والخبيث المتمرد . ( 6 ) إستجة : كورة بالأندلس . ( 7 ) الشنيل : أحد نهري غرناطة .