أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
242
العقد الفريد
سبحان من لم تحوه أقطار * ولم تكن تدركه الأبصار ومن عنت لوجهه الوجوه * فما له ندّ ولا شبيه سبحانه من خالق قدير * وعالم بخلقه بصير وأوّل ليس له ابتداء * وآخر ليس له انتهاء أوسعنا إحسانه وفضله * وعزّ أن يكون شيء مثله وجلّ أن تدركه العيون * أو يحوياه الوهم والظّنون لكنّه يدرك بالقريحة * والعقل والأبنية الصّحيحة « 1 » وهذه من أثبت المعارف * في الأوجه الغامضة اللّطائف معرفة العقل من الإنسان * أثبت من معرفة العيان فالحمد للّه على نعمائه * حمدا جزيلا وعلى آلائه « 2 » وبعد حمد اللّه والتّمجيد * وبعد شكر المبدئ المعيد أقول في أيام خير الناس * ومن تحلّى بالنّدى والباس ومن أباد الكفر والنّفاقا * وشرّد الفتنة والشّقاقا ونحن في حنادس كالليل * وفتنة مثل غثاء السّيل « 3 » حتى تولّى عابد الرّحمن * ذاك الأعزّ من بني مروان مؤيّد حكّم في عداته * سيفا يسيل الموت من ظباته « 4 » وصبّح الملك مع الهلال * فأصبحا ندّين في الجمال واحتمل التقوى على جبينه * والدّين والدنيا على يمينه قد أشرقت بنوره البلاد * وانقطع التشغيب والفساد هذا على حين طغى النفاق * واستفحل النكّاث والمرّاق « 5 »
--> ( 1 ) القريحة من الانسان : طبيعته التي جبل عليها . ( 2 ) آلائه : نعمه . ( 3 ) حنادس : جمع حندس : الظلمة الشديد . ( 4 ) الظبات : جمع الظبّة : وهي حدّ السيف والسنان والخنجر وما شابههما . ( 5 ) النكاث : جمع ناكث وهو الذي ينكث العهد .