أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

241

العقد الفريد

إنّ الخلافة لن ترضى ولا رضيت * حتى عقدت لها في رأسك التّاجا ولم يكن مثل هذه الغزاة لملك من الملوك في الجاهلية والإسلام . وله غزاة مارشن « 1 » التي كانت أخت بدر وحنين ، وقد ذكرناها على وجهها في الأرجوزة التي نظمتها في مغازيه كلها من سنة إحدى وثلاثمائة إلى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، وأوقفناها . ومن مناقبه أن الملوك لم تزل تبني على أقدارها ، ويقضى عليها بآثارها ، وأنه بنى في المدة القليلة ما لم تبن الخلفاء في المدة الطويلة ، نعم : لم يبق في القصر الذي فيه مصانع أجداده ومعالم أوليته بنيّة « 2 » إلا وله فيها أثر محدث ، إما تزييد أو تجديد . ومن مناقبه أنه أول من سمى أمير المؤمنين من خلفاء بني أمية بالأندلس . ومن مناقبه التي لا أخت لها ولا نظير ، ما أعجز فيه من بعده ، وفات فيه من قبله ، من الجود الذي لم يعرف لأحد من أجواد الجاهلية والإسلام إلا له ؛ وقد ذكرت ذلك في شعري الذي أقول فيه : يا بن الخلائف والعلا للمعتلي * والجود يعرف فضله للمفضل نوّهت بالخلفاء بل أخملتهم * حتى كأنّ نبيلهم لم ينبل أذكرت بل أنسيت ما ذكر الألى * من فعلهم فكأنه لم يفعل وأتيت آخرهم وشأوك فائت * للآخرين ومدرك للأوّل ألآن سمّيت الخلافة باسمها * كالبدر يقرن بالسّماك الأعزل « 3 » تأبى فعالك أن تقرّ لآخر * منهم وجودك أن يكون لأوّل وهذه الأرجوزة التي ذكرت جميع مغازيه وما فتح اللّه عليه فيها في كل غزاة ، وهي :

--> ( 1 ) مارشن : من أعمال جيّان . ( 2 ) البنيّة : كل ما يبنى . ( 3 ) السماك : أحد النجمين النيرين أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب .