أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
240
العقد الفريد
لأعدنا ذكرها أو ذكر بعضها ، ولكنا سنذكر ما سبق إلينا من مناقبه التي لم يتقدمه إليها متقدّم ولا أخت لها ولا نظير . فمن ذلك أول غزاة غزاها ، وهي الغزاة المعروفة بغزاة المنتلون ، افتتح بها سبعين حصنا ، كلّ حصن منها قد نكبت عنه الطوائف ، وأعيا على الخلائف ، وفيها أقول : قد أوضح اللّه للإسلام منهاجا * والناس قد دخلوا في الدّين أفواجا وقد تزيّنت الدّنيا لساكنها * كأنما ألبست وشيا وديباجا يا بن الخلائف إنّ المزن لو علمت * نداك ما كان منها الماء ثجّاجا « 1 » والحرب لو علمت بأسا تصول به * ما هيّجت من حميّاك الذي اهتاجا « 2 » مات النّفاق وأعطى الكفر ذمّته * وذلّت الخيل إلجاما وإسراجا وأصبح النصر معقودا بألوية * تطوي المراحل تهجيرا وإدلاجا « 3 » أدخلت في قبّة الإسلام مارقة * أخرجتها من ديار الشّرك إخراجا « 4 » بجحفل تشرق الأرض الفضاء به * كالبحر يقذف بالأمواج أمواجا يقوده البدر يسري في كواكبه * عرمرما كسواد الليل رجراجا « 5 » تروق فيه بروق الموت لامعة * ويسمعون به للرّعد أهزاجا غادرت في عقوتي جيّان ملحمة * أبكيت منها بأرض الشّرك أعلاجا « 6 » في نصف شهر تركت الأرض ساكنة * من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا وجدت في الخبر المأثور منصلتا * من الخلائف خرّاجا وولّاجا « 7 » تملا بك الأرض عدلا مثل ما ملئت * جورا وتوضح للمعروف . منهاجا يا بدر ظلمتها ، يا شمس صبحتها * يا ليث حومتها إن هائج هاجا « 8 »
--> ( 1 ) الثّجاج : الشديد الانصباب . ( 2 ) الحميا : شدة الغضب . ( 3 ) الإدلاج : السير من أول الليل . والادّلاج : السير من آخره . ( 4 ) المارقة : الخوارج . ( 5 ) الرجراج : المهتز المضطرب . ( 6 ) العقوة : ما حول الدار والمحلة وجيّان مدينة لها كورة واسعة بالأندلس . ( 7 ) ولج الشيء : دخل فيه والولّاج : كثير الولوج . ( 8 ) الحومة : من البحر والماء والرمل وغيرها . معظمه والحومة من القتال : أشد موضع فيه .