أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

227

العقد الفريد

ومدخل رأسه لم يدعه أحد * بين الفريقين حتى لزّه القرن « 1 » اضربوا عنقه ! ثم أقبل على الغمر فقال : ما أحسب لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا ! فقال : أجل . قال : يا غلام ، اضرب عنقه ، فأقيم من المصلى فضرب عنقه ، ثم أمر ببساط فطرح عليهم ، ودعا بالطعام فجعل يأكل وأنين بعضهم تحت البساط . وفي رواية أخرى ، قال : لما قدم الغمر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في ثمانين رجلا من بني أمية ، وضعت لهم الكراسي ، ووضعت لهم نمارق « 2 » وأجلسوا عليها ، وأجلس الغمر مع نفسه في المصلى ، ثم أذن لشيعته فدخلوا ، ودخل فيهم سديف بن ميمون ، وكان متوشحا سيفا ، متنكبا قوسا ، وكان طويلا آدم « 3 » ، فقام خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيزعم الضّلال بما حبطت أعمالهم أنّ غير آل محمد أولى بالخلافة ؟ فلم وبم أيها الناس ؟ لكم الفضل بالصحابة ، دون حق ذوي القرابة ، الشركاء في النسب ، الأكفاء في الحسب ، الخاصة في الحياة ، الوفاة عند الوفاة ، مع ضربهم على الأمر جاهلكم ، وإطعامهم في اللأواء « 4 » جائعكم ، فكم قصم اللّه بهم من جبار باغ ، وفاسق ظالم ، لم يسمع بمثل العباس ، لم تخضع له أمّة بواجب حق ، أبو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد أبيه ، وجلدة ما بين عينيه ، أمينه ليلة العقبة ، ورسوله إلى أهل مكة ، وحاميه يوم حنين ، لا يردّ له رأيا ، ولا يخالف له قسما ؛ إنكم واللّه معاشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث ما اختاره اللّه لكم ، تيميّ مرة ، وعديّ مرة ، وكنتم بين ظهراني قوم قد آثروا العاجل على الآجل ، والفاني على الباقي ، وجعلوا الصدقات في الشهوات ، والفيء في اللذات والغناء . والمغانم في المحارم ، إذ ذكّروا باللّه لم يذكروا ، وإذا قدّموا بالحق أدبروا ، فذلك زمانهم ، وبذلك كان يعمل سلطانهم .

--> ( 1 ) القرن : الحبل يقرن به البعير . ( 2 ) النمارق : جمع نمرق : وهي الوسادة الصغيرة يتكأ عليها . ( 3 ) آدم : الذي اشتدت سمرته . ( 4 ) اللأواء : ضيق المعيشة ، أو شدة المرض .