أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

199

العقد الفريد

فأتاها أشعب فاستأذن عليها ، وكان نساء المدينة لا يحتجبن عنه ؛ فقالت له : ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب ؟ قال : يا سيدتي ، أرسلني إليك الوليد برسالة . قالت : هاتها . فأنشدها البيتين ، فقالت لجواريها : خذن هذا الخبيث . . . وقالت : ما جرّأك على مثل هذه الرسالة ؟ قال : إنها بعشرين ألفا معجلة مقبوضة ! قالت واللّه لأجلدنك أو لتبلغنّه عني كما أبلغتني عنه . قال : فاجعلي لي جعلا « 1 » . قالت : بساطي هذا . قال : فقومي عنه . فقامت عنه ، وطوى البساط وضمه ، ثم قال : هاتي رسالتك . فقالت له : قل له : أتبكي على سعدى وأنت تركتها * فقد ذهبت سعدى ، فما أنت صانع فلما بلّغه الرسالة كظم الغيظ على أشعب ، وقال : اختر إحدى ثلاث خصال ، ولا بد لك من إحداها : إما أن أقتلك ، وإما أن أطرحك للسباع فتأكلك ، وإما أن ألقيك من هذا القصر ! فقال أشعب ، يا سيدي ، ما كنت لتعذب عينين نظرتا إلى سعدى ! فضحك وخلى سبيله . وأقامت عنده سلمى حتى قتل عنها ، وهو القائل في سلمى : شاع شعري في سليمى وظهر * ورواه كلّ بدو وحضر وتهادته الغواني بينها * وتغنّين به حتى انتشر لو رأينا من سليمى أثرا * لسجدنا ألف ألف للأثر واتخذناها إماما مرتضى * ولكانت حجّنا والمعتمر إنما بنت سعيد قمر * هل حرجنا أن سجدنا للقمر وفيها يقول قبل تزوجه لها : حدّثوا أنّ سليمى * خرجت يوم المصلّى فإذا طير مليح * فوق غصن يتفلّى « 2 »

--> ( 1 ) الجعل : الجعالة : ما يجعل على العمل من أجر أو رشوة . ( 2 ) يتفلى : يتأمل .