أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
190
العقد الفريد
إن مثلي ومثلك كما قال الأول : تمنّى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد لعلّ الذي يبغي رداي ويرتجي * به قبل موتي أن يكون هو الرّدي « 1 » فكتب إليه هشام : إن مثلي ومثلك كما قال الأول : ومن لم يغمّض عينه عن صديقه * وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة * يجدها ، ولا يبقى له الدهر صاحب « 2 » فكتب إليه يزيد : نحن مغتفرون ما كان منك ، ومكذّبون ما بلغنا عنك ، مع حفظ وصية أبينا عبد الملك ، وما حضّ عليه من صلاح ذات البين ، وإني لأعلم أنك كما قال معن بن أوس : لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أيّنا تعدو المنيّة أوّل وإني على أشياء منك تريبني * قديما ولا صلح على ذاك يجمل ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني * يمينك فانظر أيّ كف تبدّل إذا سؤتني يوما صفحت إلى غد * ليعقب يوما منك آخر مقبل إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل « 3 » وفي الناس إن رثّت حبالك واصل * وفي الأرض عن دار القلى متحوّل « 4 » فلما جاء الكتاب رحل هشام إليه ، فلم يزل في جواره إلى أن مات يزيد وهو معه في عسكره مخافة أهل البغي . محمد بن الغاز قال : حدّثنا أبو سعيد عبد اللّه بن شيب قال : حدّثني الزبير بن بكار قال : كان يزيد بن عبد الملك كلفا « 5 » بحبابة كلفا شديدا ، فلما توفيت أكبّ عليها
--> ( 1 ) الردي : الهالك . ( 2 ) عثرة : هفوة . ( 3 ) المزحل : المكان يزحل إليه ، وقد يكون مصدرا . ( 4 ) القلى : البغض والهجران . ( 5 ) كلفا : محبا .